الضفة الغربية والأمن القومي الأردني: لماذا يتصاعد القلق في عمّان؟

 الضفة الغربية والأمن القومي الأردني: لماذا يتصاعد القلق في عمّان؟

بقلم الكاتب: مروان سلطان — فلسطين 🇵🇸

27 سبتمبر 2026

———————————


بات من الواضح أن ما يشهده الميدان في الضفة الغربية يثير قلقاً عميقاً لدى المملكة الأردنية الهاشمية، ولا سيما بعد أن أخذت التطورات الجارية مجرىً متسارعاً ونوعياً نحو "الضم الفعلي".

ترافقت هذه التطورات مع كلمة جلالة الملك عبد الله الثاني في أروقة الأمم المتحدة، والتي امتزجت بنبرة غضب حادة أشار فيها إلى أن جذر الأزمة في المنطقة يكمن في السياسات الإسرائيلية، وتحديداً في توجهات حكومة بنيامين نتنياهو؛ حيث حذّر الملك من "الأطماع التوسعية" لهذه الحكومة باعتبارها أضحت "تهديداً إقليمياً". وقد حمل الخطاب في طياته رسائل مزدوجة: تنبيهات واضحة للمجتمع الدولي، وتعبئة للداخل الأردني لمواجهة تداعيات السياسات الإسرائيلية التي قد تفضي إلى تهجير قسري للفلسطينيين.

وفي السياق ذاته، جاء تصريح وزير الخارجية الأردني، الدكتور أيمن الصفدي، ليعلن بوضوح أن أي حل للقضية الفلسطينية يأتي على حساب الأردن هو أمر "غير مقبول". وتأتي هذه الردود الغاضبة انطلاقاً من إدراك عمّان أن إعادة إحياء ما يُسمى بـ "الخيار الأردني" تُعد بمثابة قنبلة موقوتة قد تشكل خطراً مباشراً على أمن الدولة الاردنية واستقرارها.

يعود الاستقراء الحذر للمستقبل إلى استفحال التنافس السياسي بين الأحزاب الإسرائيلية التي تُخاطب جمهورها الداخلي استعداداً للانتخابات القادمة في أكتوبر 2026. وتُشكل القضية الفلسطينية حجر الزاوية في الدعاية الانتخابية لتلك الأحزاب؛ حيث يبرز إجماعٌ شبه تام بينها على شعار "لا للدولة الفلسطينية"، وضرورة ضم مناطق (C) إلى إسرائيل، وحل السلطة الفلسطينية. ورغم غياب قرار رسمي بالتهجير القسري المباشر حتى اللحظة — تحسباً لردود الفعل الدولية — إلا أن التمهيد الميداني له قائم على قدم وساق.

وفي هذا الصدد، تشير التقديرات إلى أن مساعي نتنياهو خلال زيارته الأخيرة إلى نيويورك لم تفلح بالشكل المطلوب في عقد لقاء قمة مع الرئيس ترامب بالرغم من الإلحاح الشديد؛ إذ كان يسعى من خلاله لنيل الضوء الأخضر الأمريكي لتنفيذ خطتين رئيسيتين: توجيه ضربات حاسمة لإيران، والإعلان الرسمي عن ضم أجزاء واسعة من الضفة الغربية وتسهيل تهجير أعداد كبيرة من السكان. ويبدو أن الجانب الأمريكي أدرك محاولات استدراج واشنطن لهذه الخيارات المغامِرة، ففضّل إغلاق الباب أمام هذه الطموحات في الوقت الراهن.

يُعد "الخيار الأردني" طرحاً قديماً تجدد مؤخراً؛ ورغم الرفض الأردني القاطع له تاريخياً، إلا أنه عاد للواجهة عبر تصريح أفيغدور ليبرمان، زعيم حزب "إسرائيل بيتنا" (في 23 سبتمبر 2026)، والذي اقترح فيه أن يتولى الأردن المسؤولية الأمنية والإدارية في منطقتي (A) و(B)، مع احتفاظ إسرائيل بالسيطرة الكاملة على منطقة (C). والأهم أن ليبرمان لم يقدم هذا الطرح كبوابة للانسحاب، بل كبديل يسعى للسيطرة الإسرائيلية الدائمة على أغلب الأراضي والبحث عن طرف يملأ الفراغ الإداري للسلطة الفلسطينية.

تعكس هذه المقترحات بحث تيارات سياسية إسرائيلية عن صيغة لمرحلة "ما بعد السلطة الفلسطينية". وتنظر عمّان إلى هذه الطروحات لا كحلول سياسية، بل كتهديد مباشر لأمنها القومي؛ فالقبول بتسوية تُعرّض الأردن لإدارة معازل جغرافية يعني التنازل عن مقدسات إسلامية ومسيحية وجغرافيا وديموغرافيا، وتحويل الأزمة الديمغرافية والأمنية إلى الداخل الأردني، وهو ما يُشكل خطاً أحمر لا يمكن للشارع أو القيادة الأردنية القبول به.

يتضح أن تصاعد القلق في عمّان ليس مجرد تخوف من سيناريوهات سياسية عابرة، بل هو استشعار لتهديد مباشر لمفهوم الأمن القومي واستقرار الدولة. إن الرفض الأردني لـ "الخيار الأردني" أو لمشاريع التهجير القسري والضم ليس مجرد موقف تفاوضي، بل هو موقف استراتيجي ثابت يمسّ سيادة المملكة وهويتها الوطنية. وأمام هذا المشهد المتفجر، تجد الأردن نفسها أمام ضرورة الاستمرار في تمتين الجبهة الداخلية، وتفعيل الحراك الدبلوماسي مع  القوى الدولية والولايات المتحدة بالشراكة مع القيادة الفلسطينية لإعادة التذكير بأن استقرار الأردن يُعد ركيزة لا غنى عنها لأمن المنطقة برمتها، وأن الإضرار به سينتج عنه تداعيات لا يمكن التنبؤ بها .

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يواجه الفلسطيني محو الهوية؟ : استراتيجية البقاء الفلسطيني.

النظام العالمي الجديد: رمال متحركة لا ثوابت فيها وعمادها المصالح

سفينة لا تنكسر: في وداع عام واستقبال وطن وشعب من الرماد يعود