النظام العالمي الجديد: رمال متحركة لا ثوابت فيها وعمادها المصالح

 النظام العالمي الجديد: رمال متحركة لا ثوابت فيها وعمادها المصالح

بقلم: مروان سلطان – فلسطين 🇵🇸

4 مارس 2026

———————————————————-


لم يعد العالم الذي عرفناه بالأمس قائماً على خرائط ثابتة أو تحالفات مقدسة؛ بل استحال إلى ساحة من التوازنات القلقة التي تطيح بالثوابت وتبني عروشها فوق المصالح العابرة. في هذا المشهد الضبابي، يتداخل الرصاص بالرقائق الإلكترونية، وتُقاد الدبلوماسية من غرف التجارة والمختبرات التقنية قبل أروقة الأمم المتحدة. وبينما يحاول القادة رسم ملامح نظام عالمي جديد، يجدون أنفسهم يسيرون فوق رمال متحركة، حيث القوة لمن يملك المرونة، والبقاء لمن يتقن لغة الأرقام والمناورة.


لم يعد الصراعات بين الدول تقاس بعدد الدبابات فقط، بل بعدد ونوع براءات الاختراع، وسلاسل التوريد، ومفاتيح الطاقة والاتصال. فالقوة اليوم لم تعد كتلة صلبة، بل شبكة معقدة من المصالح المتداخلة؛ ومن يسيطر على العقد الأساسية في هذه الشبكة يمتلك قدرة التأثير دون أن يطلق رصاصة واحدة. هكذا انتقل العالم من صراع الأيديولوجيات الكبرى إلى صراع التحكم في الموارد الاستراتيجية ومسارات تدفقها.


في هذا السياق، تبدو التحركات الأمريكية خلال العام الأول من الولاية الثانية للرئيس ترامب جزءاً من محاولة إعادة تعريف التهديدات وفق معادلة المصلحة لا وفق منطق الاستقرار التقليدي. فالصراعات لا تُدار فقط تحت عناوين أمنية أو قيمية، بل ضمن هندسة دقيقة لتأمين الطاقة والأسواق وسلاسل الإمداد. ومن هنا يمكن فهم التصعيد في أكثر من ساحة، من غزة التي لم تهدأ رغم المبادرات المعلنة، إلى التوترات المتصلة بإيران بذريعة منعها من امتلاك القنبلة النووية والصواريخ البالستية، حيث تسير البوارج الحربية خلف ناقلات النفط، في مشهد يلخص تلازم القوة الخشنة مع حماية المصالح الحيوية.


وفي أمريكا اللاتينية، تجلت أولوية المصالح في طبيعة التعاطي مع فنزويلا، حيث تداخل السياسي بالقضائي تحت عنوان الشرعية، بينما بقيت معادلة الطاقة حاضرة في خلفية المشهد. كما أن الأزمات المرتبطة بكندا وغرينلاند عكست توجهاً لإعادة تعريف المجال الحيوي الأمريكي في ضوء الموارد الطبيعية والموقع الجيوستراتيجي. في كل ذلك، لم تعد السيادة مفهوماً ثابتاً، بل عنصراً قابلاً لإعادة التفسير إذا ما تعارض مع ضرورات النفوذ.


يشير المشهد السياسي العالمي إلى أفول نجم “القطبية الواحدة” التي سادت عقب انهيار الاتحاد السوفيتي، وصعود قوى كبرى على رأسها روسيا الاتحادية والصين، لينتقل العالم إلى ما يمكن وصفه بـ”التعددية القطبية المشوشة”. غير أن هذه التعددية لا تعني استقراراً، بل تزاحماً على موارد نادرة ومحدودة في زمن تسارع تقني غير مسبوق. فكل قفزة في الذكاء الاصطناعي أو الطاقة البديلة تعيد رسم خرائط النفوذ، وتجعل التحالفات مؤقتة بطبيعتها، خاضعة لحسابات الربح والخسارة لا لاختبار المبادئ.


أفرزت هذه التحولات تفاهمات جديدة عززت تحالفات بُنيت على أسس المنفعة لتسهيل حركة التجارة عبر مشاريع كبرى، من بينها “طريق الحرير”، والاستعداد لفتح ممرات مائية جديدة على غرار قناة السويس. في هذا النظام، تُبنى الشراكات على قاعدة الوظيفة الاقتصادية، لا على الروابط الأيديولوجية أو التاريخية. ولم تعد الأولويات للقضايا السياسية بقدر ما أصبحت لتأمين الموارد وضمان استقرار الأسواق.  لم تعد الشرعية السياسية قيمة أخلاقية في النظام الجديد، بل وظيفة داخل منظومة المصالح.


إن الاحتكار الاقتصادي و”المقايضة” يشكلان الوجه الجديد لنظام حلّ محل العولمة التقليدية. فالدول التي تمتلك المعادن الاستراتيجية، ورقائق أشباه الموصلات، والغاز، هي التي تفرض حضورها. والصراعات لم تعد تنفجر بسبب الشعارات، بل بسبب التحكم في السلع النادرة والحيوية. إن التناقض بين الحداثة التقنية والبنى السياسية التقليدية جعل العالم يتحرك فوق رمال متحركة، حيث يتحكم عنصر المرونة في مصير الدول؛ فالتصلب لم يعد دليلاً على الثبات، بل قد يكون مدخلاً للعزلة والغرق.  في مثل هذا المناخ، لا تعود القضايا العادلة تُقاس بميزان الأخلاق وحده، بل بمدى قدرتها على الاندماج في معادلات المنفعة العالمية.


بناء على ذلك، تقف القضية الفلسطينية أمام اختبار مختلف عما عرفته في العقود السابقة. ففي نظام دولي تتحرك بوصلته وفق تدفق الطاقة والبيانات والمعادن النادرة، لا يكفي التمسك بالحق التاريخي وحده، رغم مركزيته وعدالته. التحدي الحقيقي يكمن في تحويل عدالة القضية الفلسطينية إلى عنصر استقرار إقليمي، ومصلحة دولية لا يمكن تجاوزها أو القفز عنها.


في عالم متلاطم الامواج يسير فيه البارود خلف النفط، وتتحرك فيه البوارج خلف سلاسل التوريد، يصبح السؤال المطروح ليس كيف نتمسك بالثوابت فقط، بل كيف نعيد تقديمها ضمن الخريطة الجديدة للقوة. فالرمال المتحركة لا ترحم من يتجاهل طبيعتها، لكنها قد تحمل من يتقن السير فوقها بوعي ومرونة.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يواجه الفلسطيني محو الهوية؟ : استراتيجية البقاء الفلسطيني.

سفينة لا تنكسر: في وداع عام واستقبال وطن وشعب من الرماد يعود