التوثيق الإسرائيلي للإبادة الجماعية والمحو: من الإنكار إلى الاعتراف
التوثيق الإسرائيلي للإبادة الجماعية والمحو: من الإنكار إلى الاعتراف.
المطلوب انهاء الاحتلال واعطاء الشعب الفلسطيني حقه في تقرير المصير
بقلم: مروان سلطان — فلسطين 🇵🇸
15 سبتمبر 2026
انتقدت المؤسسة الحاكمة في إسرائيل الفيلم الإسرائيلي “نازا” - الضرر الجانبي - الذي لاقى ترحيباً عالمياً لكشفه جوانب من عملية الإبادة التي تعرض لها قطاع غزة، واعتبرت ذلك نوعاً من “الخيانة لإسرائيل”. ووصل الأمر إلى تهديد صانعي الفيلم بإجراءات تمس وضعهم المدني، في الوقت الذي شكلت فيه المؤسسة العسكرية لجنة للتعامل مع تداعيات هذا العمل وآثاره.
وقد تزامن ذلك أيضاً مع صدور تقرير منظمة “بتسيلم” الاسرائيلية الذي يتناول ما تسميه المنظمة بسياسات “المحو” التي مارستها إسرائيل بحق الشعب الفلسطيني منذ عام 1948 وحتى اليوم.
تكمن أهمية هذه التطورات في أن التوثيق لم يعد يأتي فقط من الضحايا الفلسطينيين أو من المؤسسات الحقوقية والإعلامية الدولية، وإنما بدأ يخرج من داخل البيئة الإسرائيلية نفسها. وهذه النقلة تحمل دلالة سياسية وأخلاقية بالغة الأهمية؛ لأنها تنقل النقاش من مستوى الرواية الفلسطينية في مواجهة الرواية الإسرائيلية، إلى مستوى آخر يصبح فيه جزء من الشهادة نفسها صادراً عن أشخاص ومؤسسات من داخل المجتمع الإسرائيلي.
وهنا تحديداً تكمن أهمية هذا التوثيق. فهو لا يضيف مجرد شهادات جديدة إلى سجل طويل من التقارير، وإنما يفتح ثغرة في منظومة الإنكار الى الاعتراف حتى لو بجزئية الجريمة التي رافقت الحرب على غزة، ويكشف أن هناك داخل إسرائيل نفسها من يرى ما يجري باعتباره قضية تتجاوز حدود الحرب والمواجهة العسكرية، لتصل إلى طبيعة السياسات المستخدمة وآثارها على الشعب الفلسطيني.
لقد أشارت التقارير والشهادات الإسرائيلية التي أبرزتها منظمة “بتسيلم”، وكذلك المخرجان الإسرائيليان يوفال أبراهام وراشيل تسور في فيلم “نازا”، إلى حجم الكارثة التي يواجهها الشعب الفلسطيني نتيجة السياسات الإسرائيلية. وهذه السياسات لا يمكن النظر إليها باعتبارها مجرد تداعيات عابرة لحرب بدأت في أعقاب السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، بل ينبغي قراءتها في سياق تاريخي أطول وأكثر تعقيداً.
فما يحدث في غزة لا ينفصل، في هذا السياق، عن مسار تراكمي من السيطرة على الأرض، وتقييد حركة السكان، وتدمير مقومات الحياة، وإعادة تشكيل الواقع الديموغرافي والسياسي الفلسطيني. ومن هنا يصبح مفهوم “المحو” أكثر اتساعاً من مجرد التدمير العسكري؛ فهو يشير إلى عملية تستهدف الإنسان والمكان والذاكرة ومقومات البقاء معاً.
إن الحرب، في هذه الحالة، لا تُقاس فقط بعدد الغارات أو حجم ونوع الأسلحة المستخدمة، وإنما بما تتركه وراءها من مدن مدمرة، وبنية تحتية منهارة، ومؤسسات صحية وتعليمية معطلة، وأجيال تعيش آثار الصدمة، ومجتمع يُدفع إلى البحث عن أبسط مقومات الحياة.
وهذا ما يجعل الحديث عن “المحو” ذا أهمية خاصة؛ لأن الموت قد يكون مباشراً بفعل القصف والعمليات العسكرية، وقد يكون بطيئاً بفعل الجوع والعطش والمرض وانعدام الرعاية الطبية وتدمير مقومات الحياة. وفي الحالتين تكون النتيجة واحدة: تقويض قدرة المجتمع الفلسطيني على الاستمرار والحياة على أرضه.
أما الفيلم الإسرائيلي، فتنبع أهميته من طبيعة الشهادات التي يقدمها، بما في ذلك شهادات جنود شاركوا في الحرب وأشخاص من داخل المؤسسة العسكرية والاستخباراتية. فهذه الشهادات لا تأتي من مراقبين بعيدين عن الحدث، وإنما من أشخاص كانوا قريبين من آليات اتخاذ القرار أو تنفيذ العمليات. وهنا يصبح التوثيق الإسرائيلي نفسه جزءاً من المعركة على الحقيقة.
سنوات طويلة، ظلت الرواية الإسرائيلية تحاول تقديم الحرب باعتبارها حرباً أمنية اضطرارية، بينما جرى التعامل مع الانتقادات الموجهة إلى إسرائيل باعتبارها جزءاً من حملة سياسية عليها. وحتى عندما كانت تتراكم التقارير الدولية والإقليمية عن حجم الدمار والضحايا، ظل الإنكار حاضراً بقوة. لكن المشكلة بالنسبة لهذه الرواية لم تعد اليوم في غياب الشهادات أو نقص الصور أو عدم وجود التقارير.
وهنا تكتسب تصريحات القادة الإسرائيليين الذين أداروا الحرب أهمية خاصة، ولا سيما تلك التي تحدثت صراحة عن خنق غزة، أو منع مقومات الحياة، أو دفع السكان إلى الهجرة والنزوح. فعندما تتقاطع التصريحات السياسية مع الوقائع الميدانية، ومع الشهادات القادمة من داخل المؤسسة نفسها، يصبح من الصعب التعامل مع الأمر باعتباره مجرد روايات متضاربة.
غزة، في الحقيقة، لا تحتاج إلى شهادة شاهد واحد لإثبات حجم الكارثة التي ألمّت بها. فحجم الدمار وحده يكفي للدلالة على أن ما جرى يتجاوز حدود العمليات العسكرية التقليدية. والتقديرات الأولية لتكلفة إعادة إعمار القطاع، والتي قد تتجاوز عشرات المليارات من الدولارات، تكشف عن مستوى غير مسبوق من تدمير المدن والبنية التحتية ومقومات الحياة فيها.
كما أن الإشارة إلى استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في العمليات العسكرية، وتوسيع نطاق ما يسمى “بنك الأهداف”، تفتح سؤالاً بالغ الخطورة حول العلاقة بين التكنولوجيا الحديثة وحجم القوة النارية المستخدمة، وحول قدرة الآلة العسكرية على تحويل الحرب إلى عملية واسعة النطاق يصعب فيها التمييز بين الهدف العسكري والبيئة المدنية المحيطة به. إن التكنولوجيا لا تلغي المسؤولية الإنسانية والقانونية؛ بل ربما تجعلها أكثر إلحاحاً. فكلما أصبحت أدوات الاستهداف أكثر تطوراً، أصبح السؤال عن معايير استخدامها، وحجم الضرر المتوقع، وحماية المدنيين، أكثر أهمية.
أما سياسة “المحو”، وهو التوصيف المفصلي الذي وثقته منظمة “بتسيلم”، فلا تقل خطورة في دلالتها عن سياسة الإبادة الجماعية. فالمحو لا يعني فقط تدمير المباني، بل يمكن أن يعني إزالة مقومات الحياة نفسها، وتحويل المكان إلى بيئة غير قابلة للحياة، ودفع السكان إلى الرحيل، وتفكيك الروابط التي تجعل من المكان وطناً ومجتمعاً. وهذا هو البعد الذي ينبغي عدم إغفاله.
فإذا كان الموت المباشر نتيجة للعمليات العسكرية، فإن الموت البطيء نتيجة انعدام الغذاء والماء والدواء والخدمات الأساسية يمثل وجهاً آخر من وجوه الكارثة. وفي الحالتين يصبح الإنسان الفلسطيني هو المستهدف النهائي في وجوده وقدرته على الاستمرار.
ومن هنا فإن أهمية الشهادات والتقارير الصادرة من قلب البيئة الإسرائيلية لا تكمن فقط في كشف الحقيقة، وإنما في إسقاط واحدة من أهم ذرائع الإنكار: القول بعدم وجود أدلة كافية أو بوجود تضارب في الروايات.
لقد أصبحت الأدلة متراكمة، والصور موجودة، والتقارير منشورة، والشهادات حاضرة، وبعضها يأتي من داخل المجتمع الإسرائيلي ذاته. وهذا يعني أن العالم لم يعد أمام مشكلة نقص في المعلومات، وإنما أمام مشكلة موقف سياسي وأخلاقي من المعلومات المتوفرة. فحين يأتي التوثيق من داخل البيئة التي تُتهم بارتكاب الجريمة، فإنه يفرض على المجتمع الدولي مواجهة نفسه قبل مواجهة الآخرين. إذ يصبح من الصعب الاستمرار في التعامل مع ما يجري باعتباره مجرد خلاف في الروايات، بينما تتراكم الشهادات والوقائع والوثائق من مصادر متعددة. ومن هنا يمكن القول إن التوثيق الذاتي للجريمة يتحول بمرور الوقت إلى وثيقة إدانة تاريخية؛ ليس لأنه يلغي الحاجة إلى التحقيقات المستقلة، وإنما لأنه يكشف أن الحقيقة لم تعد محصورة في رواية طرف واحد. وعليه فإن الاستمرار في الصمت أو الاكتفاء ببيانات القلق والإدانة اللفظية لا يمكن أن يبقى موقفاً محايداً.
لذلك، فإن ما يجري اليوم ليس مجرد معركة على تفسير أحداث غزة، وإنما معركة على معنى القانون الدولي الانساني نفسه، وعلى ما إذا كان العالم لا يزال قادراً على تحويل المعرفة إلى مسؤولية، والتوثيق إلى محاسبة، والاعتراف إلى فعل. فحين يصبح الشاهد من داخل المنظومة، وتصبح الوثيقة جزءاً من أرشيفها، يصبح الصمت الخارجي ليس صمتاً عن غياب الحقيقة، وإنما صمتاً أمام حقيقة أصبحت واضحة، ويبقى ان المطلوب الغائب الحاضر هوانهاء الاحتلال، ومنح الشعب الفلسطيني حقه في تقرير المصير.

تعليقات
إرسال تعليق