استعراض الجيش الإسرائيلي القوة في الضفة الغربية له ما بعده!

 استعراض الجيش الإسرائيلي القوة في الضفة الغربية له ما بعده!

بقلم: مروان سلطان — فلسطين 🇵🇸

18.9.2026



لم تعد التحركات العسكرية الإسرائيلية الأخيرة في مدن الضفة الغربية وقراها مجرد عمليات أمنية روتينية لمعالجة ثغرة طارئة أو ملاحقة هدف محدد، بل أضحت تشي بتحول استراتيجي عميق في عقيدة الاحتلال تجاه المنطقة بأسرها. فالهدوء الظاهري الذي يسبق العاصفة، والتحركات الاستعراضية غير المسبوقة، تؤكدان أن ثمة خارطة طريق جديدة يُعاد رسمها بالحديد والنار بعيداً عن أضواء الدبلوماسية، كجزء لا يتجزء من المشروع الاسرائيلي الاقليمي الجديد.


يُقال: "إن وراء الأكمة ما وراءها". فمن الواضح أننا في الضفة الغربية جزءٌ من المشروع الصهيوني الذي انطلق قطاره من غزة لإعادة هندسة المكان. فالعملية العسكرية بشكليها الجديد وغير المعتاد —من خلال الإنزال العسكري الجوي في جنوب الخليل، واقتحام بعض المدن بالمدرعات في الضفة الغربية— تُفصح بنفسها عن توجهات إسرائيلية لصياغة جديدة للضفة، على الرغم من أن الواقع الميداني لا يستدعي هذا المستوى من التدخل العسكري الميداني والاستراتيجي والنفسي والسياسي الذي يتجاوز البعد الأمني.


يبدو أن هذا الواقع يحمل في طياته رسالةً إلى المواطنين مفادها: إن التدخل العسكري الإسرائيلي في الضفة الغربية أخذ طابعاً جديداً، وغير مقيد بأي ارتباطات أو اتفاقيات مع الجانب الفلسطيني؛ مما يرسخ مفهوم الضم الفعلي وحرية الحركة العسكرية المطلقة. فهناك مؤشرات على انتقال التعامل مع الضفة تدريجياً من نموذج «الأمن والاعتقالات» إلى نموذج أكثر عسكرية؛ فخلال أغسطس مثلاً، نفذ الجيش الإسرائيلي ضربة جوية نادرة في الضفة، كما تتكرر عمليات القوات الخاصة والتدريبات الواسعة، وهذا يفسر لماذا أصبحت الأدوات العسكرية الثقيلة والاستعراضية أكثر حضوراً هناك.

واقعة الإنزال الجوي العسكري والتدخلات الميدانية الأخرى، إذا وضعناها ضمن الصورة الأوسع، يصبح الأمر أكثر إثارة للاهتمام؛ توسعٌ في النشاط العسكري، وعنفٌ متصاعد، وتدريبات واسعة، واستخدامٌ للقوات الخاصة والوسائل الجوية، إضافة إلى استمرار نشاط المستوطنين؛ إذ يتم من خلال ذلك إعداد الضفة الغربية نفسياً وميدانياً للانتقال من مرحلة السيطرة الأمنية على السكان إلى مرحلة إدارة الأرض بالقوة العسكرية المباشرة.

ومما هو أبعد من الضم والإدارة العسكرية المباشرة، هناك ما تهدف إسرائيل إليه وتعمل عليه بقوة من خلال التواجد العسكري الإسرائيلي، وهو تقويض السلطة الفلسطينية بشكلها القائم؛ إذ ترى فيها عائقاً حقيقياً أمام مشروعها، وتحدياً صارماً يمنع إقامة المشروع الوطني الفلسطيني الذي تطمح إليه.

ان ما نشهده اليوم في الضفة الغربية ليس مجرد تصعيد عابر، بل هو تفكيك تدريجي لواقع سياسي وقانوني قديم، وتأسيس لمرحلة إدارة الأرض بالسيطرة العسكرية المباشرة والضم الفعلي. وأمام هذا التمدد والاستعراض، يبقى السؤال الأهم الموجه للداخل الفلسطيني وللمجتمع الدولي: هل ستظل المواقف مجرد ردود أفعال شاجبة أمام هذا التجريف السياسي والميداني، أم أن هناك رؤية وطنية قادرة على فرملة هذا القطار قبل وصوله إلى محطته الأخيرة؟

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يواجه الفلسطيني محو الهوية؟ : استراتيجية البقاء الفلسطيني.

النظام العالمي الجديد: رمال متحركة لا ثوابت فيها وعمادها المصالح

سفينة لا تنكسر: في وداع عام واستقبال وطن وشعب من الرماد يعود