نتنياهو وهاكابي ودموع الصياد
نتنياهو وهاكابي ودموع الصياد
بقلم: مروان سلطان — فلسطين 🇵🇸
30.8.2026
——————————-
عندما يتباكى صنّاع القرار على ضحايا سياساتهم على ضحايا أفعالهم، بينما تستمر أدواتهم في ممارسة العنف والعدوان، تصبح الدموع جزءًا من المشهد، لا دليلًا على الندم. وهذا هو حال التصريحات الأخيرة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والسفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي بشأن عنف المستوطنين في الضفة الغربية.
كيف يمكن لعاقل أن يصدق تلك التصريحات والإدانات دون أن ينظر أولًا إلى فعل اليدين، لا إلى دموع العينين؟ نتنياهو ليس مراقبًا من خارج المشهد الاستيطاني، بل يقف على رأس حكومة جعلت التوسع في الضفة الغربية جزءًا أساسيًا من سياساتها الرسمية. وبين التخطيط السياسي للمشروع الاستيطاني وتنفيذه على الأرض، تتحرك منظومة المستوطنين؛ التي لم تعد مجرد مجموعات سكانية متناثرة، بل أصبحت قوة ميدانية تمارس الاعتداءات المباشرة على الفلسطينيين وأراضيهم وممتلكاتهم بدعم حكومي متكامل، سواء عبر الميزانيات، أو التسهيلات، أو توفير السلاح والحماية الأمنية.
أما هاكابي، سفير الولايات المتحدة لدى إسرائيل، فقد أعلن منذ أن تبوّأ مهامه مواقف مؤيدة للاستيطان، مُعبّرًا عن رؤيته الدينية والسياسية للأرض وفق الأيديولوجية الصهيونية الدينية. فما الذي تغيّر اليوم؟
لقد تصاعدت الضجة الدولية حول اعتداءات المستوطنين، واتسعت رقعة الخسائر البشرية والمادية، فأصبح هذا العنف عنصرًا ضاغطًا على صورة إسرائيل أمام العالم. وهنا تأتي التصريحات لإدانة الشغب، لكنها تبدو أقرب إلى "دموع الصياد" كما تقول الحكاية منها إلى موقف يطعن في أصل المشكلة.
تخبرنا الحكاية الشعبية أن صيادًا كان يذبح العصافير في يوم شديد البرد، وكانت دموعه تنهمر بسبب الريح. فقال عصفور لرفيقه: «انظر إلى الصياد المسكين كيف يبدو حزينًا على ذبحنا!»، فرد عليه الآخر بفطنة: «لا تنظر إلى دموع عينيه، بل انظر إلى فعل يديه». والعبرة هنا جليّة: لا ينبغي النظر إلى فصاحة المتكلم أو وعوده، بل إلى السياسات التي يطبقها على الأرض.
فإذا كانت الحكومة الإسرائيلية تدين عنف المستوطنين ظاهريًا، بينما تستمر في مصادرة الأراضي وتوفير البيئة الأمنية للتمدد، فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق بصدق الكلمات، بل بجدية الإجراءات.
وهنا تبرز النقطة الأهم: قد يكون الهدف من التركيز على «عنف المستوطنين» هو إبعاد الأنظار عن السؤال الأكبر المتعلق بالمشروع الاستيطاني نفسه. فالاستيطان يواجه معارضة دولية متزايدة، خصوصًا مع الخطوات المتسارعة للبناء في مناطق حساسة مثل منطقة (E1) بين القدس ومستوطنة "معاليه أدوميم". وبدلًا من أن يبحث العالم جوهر الاستيطان وتأثيره على مستقبل الشعب الفلسطيني، يُراد حرف النقاش إلى كيفية ضبط سلوك المستوطنين فقط!
إن عنف المستوطنين ليس حادثًا عابرًا، بل هو أداة ضمن مشروع إحلالي يقوم على التهجير والتمدد. وتظل معايير الجدية بسيطة ومباشرة: هل ستتوقف الاعتداءات؟ هل سيُحاسب المعتدون وتُصادر أسلحتهم؟ وهل ستُفكك البيئة السياسية التي تمنحهم الحصانة؟
ما لم تتحقق هذه الخطوات، تعتبر الإدانات مجرد تصريحات ، للاستهلاك المحلي لا اكثر ولا تغيّر من الواقع شيئًا؛ فالفلسطيني الذي يُهجَّر من أرضه لا تعنيه دموع الصياد، بقدر ما يعنيه أن تتوقف اليد التي تطارده.

تعليقات
إرسال تعليق