حين تتعدد ادوات الاحتلال ويتوحد الهدف .. من غزة إلى الضفة إعادة تشكيل الواقع الفلسطيني
حين تتعدد ادوات الاحتلال ويتوحد الهدف .. من غزة إلى الضفة إعادة تشكيل الواقع الفلسطيني
بقلم: مروان سلطان — فلسطين 🇵🇸
24.8.2026
————
عندما يصبح المجتمع الاسرائيلي كله أسير منطق أمني، ويصبح كل فلسطيني مشتبهاً به، وكل تجمع بشري «بؤرة خطر»، وكل احتجاج «تهديداً»، وكل أرض فارغة فرصة للاستيطان، فإن المجتمع يدخل في دائرة يصعب الخروج منها. وتدفع إسرائيل، من خلال الأدوات التي تستخدمها في إعادة هندسة الديموغرافيا، نحو حلول مجزأة تقوم على مقايضة الحقوق بالترتيبات المؤقتة، وتفرغ القضية الفلسطينية من مضمونها السياسي وحقوقها المشروعة.
في غزة، الأداة الأساسية هي القوة العسكرية المباشرة: القصف، والحصار، والتهجير، والتهديد، وتوسيع دائرة ما يُعرَّف بأنه «خطر أمني». وفي الضفة الغربية، تتداخل أدوات مختلفة: الجيش، والاعتقالات، والحواجز، ومصادرة الأراضي، والتوسع الاستيطاني، وعنف المستوطنين، وإعادة تشكيل الجغرافيا" الضم".
قد تبدو غزة والضفة مسارين منفصلين، لكنهما قد يكونان، في الواقع، مسارين لمشروع واحد: إعادة تشكيل الواقع الفلسطيني.
اختلاف الأدوات لا يعني بالضرورة اختلاف المشروع. فالجيش يفرض السيطرة بالقوة المباشرة، والمستوطنون يفرضونها من خلال تغيير الواقع على الأرض، بينما تمنح القرارات السياسية والقانونية هذه العملية غطاءً مؤسسياً. وهنا تكمن خطورة المشهد: أن تتحول الأدوات المتعددة إلى منظومة واحدة لإعادة تشكيل الواقع الفلسطيني، بحيث لا يعود الأمر متعلقاً بحدث أمني عابر أو اعتداء منفصل، وإنما بمسار متراكم يعيد رسم علاقة الإنسان الفلسطيني بأرضه ومكانه ومستقبله.
عندما تصبح ألعاب الأطفال قابلة للتعامل معها باعتبارها مؤشراً أمنياً أو مبرراً لإجراءات عسكرية، فإن المسألة تتجاوز الطائرة الورقية ذاتها. المشكلة هنا تكمن في توسيع تعريف التهديد. فعندما تصبح أشياء مرتبطة بحياة المدنيين والأطفال قابلة للإدراج في خطاب أمني، يصبح المجال أوسع لتبرير إجراءات كان يفترض أن تكون استثنائية.
وهذه نقطة تعتبر بالغة الأهمية؛ لأن أخطر ما في الصراع ليس فقط استخدام القوة، وإنما إعادة تعريف الحياة المدنية نفسها ، على خلاف التعريفات الاممية وذلك باعتبارها مصدراً محتملاً للخطر.
وعندما يصل الأمر إلى الأطفال وألعابهم، فإن السؤال لا يعود فقط: ما هو التهديد؟ بل يصبح: إلى أي مدى يمكن أن يتسع مفهوم التهديد بحيث يشمل تفاصيل الحياة اليومية للمدنيين؟
ما يجري في الضفة الغربية لا يمكن النظر إليه فقط باعتباره «عنف مستوطنين». فهناك فرق بين مستوطن يرتكب اعتداءً فردياً، وبين ظاهرة تتكرر وتتسع رقعتها في المناطق الفلسطينية وعلى مدار العام ، وخاصة في مواسم الحصاد، ثم تتحرك الدولة لتأمين الحماية للمعتدين، أو لتوفير البيئة السياسية والقانونية التي تسمح باستمرارها.
المستوطنون قد لا يكونون مجرد ظاهرة هامشية في المشهد؛ ففي بعض الحالات، يمكن أن يصبح عنفهم أداة من أدوات تغيير الواقع الجغرافي والديموغرافي. والنتيجة التي قد تفضي إليها هذه المسارات واضحة: أن يفقد الفلسطيني أمنه، ثم أرضه، ثم قدرته على الحركة، ثم قدرته على البقاء في المكان.
وهنا يصبح عنف المستوطنين، عندما يتقاطع مع سياسات الدولة، جزءاً من سؤال أكبر من مجرد الأمن الشخصي؛ إنه يتعلق بمستقبل الأرض، ومن سيبقى عليها.
الاحتلال قد يزول إن آجلاً أم عاجلاً، لكن الجزء الأخطر في هذا الموضوع هو أن تتحول السيطرة العسكرية المؤقتة إلى إعادة تشكيل دائمة للمكان. فإعادة تشكيل المكان تعني محاولة جعل الواقع الجديد أمراً دائماً، بما يدفع المنطقة إلى مسارات أكثر تعقيداً، ويدخلها في دوامة جديدة من الصراع. وعندما تتراكم هذه الأدوات، فإن الخطر لا يعود محصوراً في الحاضر، بل يمتد إلى المستقبل؛ لأن تغيير الجغرافيا اليوم قد يصبح حقيقة سياسية يصعب تغييرها غداً.
وهنا تتقاطع مجموعة من المسارات: التوسع الاستيطاني، ومصادرة الأراضي، وتفكيك التواصل الجغرافي الفلسطيني، وعنف المستوطنين، والقيود العسكرية، والضم التدريجي أو القانوني، وإضعاف قدرة الفلسطيني على البقاء في أرضه، وإضعاف قدرة السلطة الفلسطينية على تأدية مهامها.
ويصبح السؤال الذي يجب الإجابة عنه: أي فلسطين يجري تشكيلها على الأرض اليوم، في ظل دوامة المتاهة الإسرائيلية؟ وعن أي شكل من الأمن والسلام يمكن الحديث في ظل عدم الاعتراف بالآخر، ونزع إنسانيته ، وتطبيع العنف ضد الفلسطينيين، واعتبار تفاصيل من حياة الأطفال مصدراً للتهديد، في ظل مخاطر ترتفع معها وتيرة العنف ضدهم؟
غزة والضفة ليستا بالضرورة جبهتين منفصلتين في المشروع الإسرائيلي؛ فقد تكونان مسارين مختلفين لإعادة تشكيل القضية الفلسطينية.
في غزة تُستعمل القوة العسكرية لإخضاع المجال الفلسطيني، وفي الضفة تتداخل القوة العسكرية مع الاستيطان والضم وتغيير الجغرافيا.
تختلف الأدوات، لكن المسار قد يصب في اتجاه واحد: تقليص المجال الفلسطيني، وإضعاف وجوده السياسي والجغرافي، ودفع الفلسطيني إلى واقع تصبح فيه حقوقه الوطنية أقل حضوراً على الأرض. وهذا ما يجب أن يدركه المعنيون بواقع الصراع، وأن يعملوا على تقديم الحلول المناسبة لمواجهته.
ولهذا، فإن قراءة المشهد لا ينبغي أن تتوقف عند حدود كل حادثة منفردة؛ فالاعتداء هنا، ومصادرة الأرض هناك، والحاجز في مكان آخر، والاستيطان المتوسع، والتهديد العسكري، والضم التدريجي، كلها تصبح أكثر وضوحاً عندما تُقرأ باعتبارها أجزاءً من لوحة واحدة.
في النتيجة التي تصنعها هذه الأدوات مجتمعة. فان القضية ليست غزة وحدها، وليست الضفة وحدها، وليست حادثة منفردة هنا أو هناك؛ القضية هي مستقبل الفلسطيني على أرضه، ومستقبل فلسطين بوصفها وطناً وحقوقاً وهويةً ومشروعاً سياسياً للفلسطينيين.
صاحب الحق أبلج، والباطل لجلج. وفلسطين باقية مثل ضوء النهار؛ وهل يحتاج النهار إلى دليل؟ ومهما تعددت الأدوات والوسائل لقهر الشعوب، ومهما طال الزمن، فإن الحق لا يسقط بالتقادم، ولا تمحوه القوة، ولا تستطيع الوقائع المفروضة على الأرض أن تلغي حقيقة شعب متمسك بأرضه وهويته.
فالحق قد يتأخر، لكنه لا يموت.. والباطل، مهما امتلك من قوة، لا يستطيع أن يصنع تاريخاً دائماً فوق أنقاض الحقيقة.

تعليقات
إرسال تعليق