نحن أصل الحكاية
نحن أصل الحكاية
بقلم: مروان سلطان — فلسطين 🇵🇸
24.6.2026
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إن هذه العبارة التي نخطّها: “نحن أصل الحكاية”، تختزل جوهر القضية الفلسطينية في الصمود، والتصدي، ومواجهة التحديات المفروضة على هذا الشعب. إنها عبارة تنقلنا فوراً إلى الجذور الضاربة في عمق التاريخ الفلسطيني الممتد لآلاف السنين على هذه الأرض؛ فالشعب الفلسطيني هو الامتداد الطبيعي والتاريخي للأقوام التي عاشت هنا، وحرثت هذه الأرض، وأقامت مدنها التاريخية كأريحا، والقدس، وغزة، والمجدل، وعسقلان.
وعلى امتداد قرون تعاقبت فيها إمبراطوريات ودول وسلطات مختلفة على هذه الأرض، بقي الفلسطيني جزءاً من نسيجها الاجتماعي والثقافي، واستمرت علاقته بالمكان بوصفها علاقة حياة يومية وليست مجرد علاقة سياسية عابرة. هنا، صاغ الفلسطيني هوية المكان وثقافته، وتحول عبر العصور إلى جزء لا يتجزأ من تضاريسه؛ فشيّد المكان وفق خصوصيته المعمارية، وزرع الأرض حتى تلونت ملامحه بلون التراب وشكله. ولم يقتصر الأمر على الحجر والزرع، بل إن الحيوان والطير شكلا مع الإنسان هرم الديموغرافيا والطبيعة الفلسطينية؛ فارتبط النشيد والوجدان الفلسطيني بـ”جفرا”، ومواسم الحصاد، وطير الحسون، وكل تلك المكونات الدالة على التلاحم العميق بين الإنسان والمكان. ولا عجب أن الاحتلال يسعى محموماً لطمس ذلك التاريخ ومحو ذلك الوجود، مستخدماً أعمال التدمير التي طالت البيئة الفلسطينية ومكوناتها، في محاولة لإزالة الشواهد التي تؤكد حضور الإنسان الفلسطيني وأصالته.
إن “أصل الحكاية” تؤكد على أولوية الرواية الفلسطينية الأصيلة في مواجهة محاولات التغييب أو الإحلال؛ فهي تأكيد على أن صاحب الأرض هو البداية، وهو المستمر في صياغة فصول هذه الحكاية رغم الكوارث والتهجير، وأن أي محاولة لقفز الروايات الأخرى فوق هذا الأصل تبقى محاولات مصطنعة لا تصمد أمام حقائق التاريخ والذاكرة الإنسانية.
لذا، عندما نتابع ممارسات المستوطنين اليومية في الضفة الغربية، نجد أنهم يسابقون الزمن لفرض واقع جديد على الأرض، بهدف تهجير الناس من ممتلكاتهم وأراضيهم ومزارعهم ومحاصيلهم، عبر سلسلة من الهجمات الممنهجة التي تتم بحماية ودعم مباشرين من الجيش الإسرائيلي. وتوفر الدولة لهم مختلف أشكال الدعم اللوجستي والمالي، وفق ما أوردته تقارير إعلامية، في سبيل محو الذاكرة الفلسطينية للزمان والمكان عبر أدوات استيطانية مستحدثة، أبرزها ما يعرف بـ”الاستيطان الرعوي”، وهو أسلوب يهدف إلى فرض “السيطرة الصامتة” على مساحات واسعة من الأراضي والمراعي، خاصة في مناطق “ج” والأغوار، بأقل عدد من المستوطنين، في محاولة للاستيلاء على الأرض وإزاحة نمط الحياة الفلسطيني عنها.
وفي المقابل، وبالرغم من أن الرعاية الحكومية الفلسطينية لتعزيز هذه الرواية ولدعم سكان المناطق المستهدفة تعد شحيحة وغير كافية، ولا تقارن بما تقدمه الحكومة الإسرائيلية لدعم الاستيطان؛ إلا أن هذا الشح يقابله وعي شعبي يتمثل في “المقاومة الوجودية الذاتية” للمزارعين والرعاة، حيث يبقى ثباتهم اليومي على أرضهم، وإعادة زراعة ما يتم تدميره، وتشبثهم باقتصادهم المحلي، هو التجسيد الحقيقي والعملي لأصل الحكاية كفعل يومي يعتمد على الذات، ويؤكد على أن أصحاب الأرض ما زالوا متمسكين بحقهم ووجودهم.
إن الضغوط التي يتعرض لها الفلسطينيون على أرضهم تتكشف حتى في إعلام الاحتلال نفسه؛ فقد نشرت صحيفة “هآرتس” قبل فترة مقالاً لإيهود أولمرت، رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق، تحدث فيه بصراحة عن أن إسرائيل تدير في الضفة الغربية معركة منظمة وممولة من التطهير العرقي والجرائم ضد الإنسانية، مستطرداً بالقول: “لم يعد بالإمكان التسليم بالإرهاب اليومي الذي تديره وتوجهه وتشجعه وتوفر له الغطاء حكومة إسرائيل”. وهذه الشهادة الصادرة عن أحد رؤساء الحكومات السابقين تؤكد أن ما يجري يتجاوز الادعاءات الأمنية، ليعكس سياسة تقوم على الإقصاء والاقتلاع.
ولا تقتصر عمليات الإحلال التي تعمل حكومة إسرائيل على تنفيذها من خلال الاستيطان الميداني، بل تمتد إلى محاولات قرصنة التراث الفلسطيني والادعاء بتبعيته للتاريخ اليهودي؛ بدءاً من تقليد أنماط الحياة الريفية الفلسطينية، وصولاً إلى الاستيلاء على التطريز الفلسطيني، وأصناف الطعام الشعبية كالفلافل، والحمص، والمتبل، والتبولة، وتقديمها للعالم باعتبارها جزءاً من التراث الإسرائيلي. إن محاولة الاستيلاء على الثوب والتطريز والمأكولات الشعبية تعكس أزمة هوية؛ فالطارئ يحاول عبثاً ارتداء ثوب الأصيل، لكن الثوب يبقى فضفاضاً عليه، والغناء لا يتقن لغة الأرض.
ولم تقتصر محاولات الإحلال على الأرض والتراث، بل امتدت إلى الأسماء أيضاً؛ فأسماء القرى والجبال والينابيع والأودية ظلت شاهدة على الحضور العربي الفلسطيني، وحتى عندما جرى تغييرها في الخرائط الرسمية، بقيت حية في ذاكرة الناس ولغتهم اليومية، تتناقلها الأجيال باعتبارها جزءاً من تاريخ المكان وروحه.
لكن “أصل الحكاية” تعني في النهاية أن كل تفصيل في فلسطين ينطق بلغته وهويته؛ فشجر الزيتون المعمر يمثل شاهداً حياً على أجيال متعاقبة رعت هذه الأرض، والحجر والبيوت القديمة في القرى والمدن التاريخية تحمل بصمات الأجداد، والهوية الثقافية من ثوب مطرز، وأهازيج شعبية، ومأكولات، وعادات اجتماعية نبتت من تربة هذه الأرض وصارت جزءاً من روحها اليومية.
إن كوننا “أصل الحكاية” هو حالة الوعي والذاكرة الجماعية الفلسطينية؛ إذ تتبادر إلى الذهن قوة الذاكرة التي تنتقل حية من الجد إلى الحفيد، حيث يظل المفتاح، وكوشان الأرض، واسم القرية المهجرة، نابضاً في وجدان الأجيال الشابة التي لم تر تلك القرى بعد. هذا الوعي المتوارث يثبت أن الحكاية لا تنقطع، لأن أصحابها يحملون تفاصيلها جيلاً بعد جيل، بالرغم من الابادة التي تمارس على الارض.
وباختصار، فإن “الفلسطينيين هم أصل الحكاية” تعني أن فلسطين بدون شعبها تفقد معناها وروحها، وأن هذا الشعب هو الثابت الأصيل في معادلة التاريخ، وكل ما عداه عابر ومتغير. إنها عبارة تختصر الوفاء للأرض، واستمرار الذاكرة، وإيمان الإنسان الفلسطيني بأن الحكاية التي بدأت به لا يمكن أن تنتهي بغيابه، لأن أصحاب المكان هم الذين يمنحونه معناه وروحه، ولأن الحكاية التي صنعتها الأجيال المتعاقبة لا تزال مفتوحة على مستقبل يكتبه أبناؤها، كما كتبت فصولها الأولى.

تعليقات
إرسال تعليق