صناعة الأوطان وصناعة الأجور

 صناعة الأوطان وصناعة الأجور

بقلم: مروان سلطان | فلسطين 🇵🇸
21.6.2026
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هناك قصة تعلمنا الكثير وتصنع فرقاً في طريقة نظرتنا إلى الحياة، وتعزز من قيمة الإنسان بالطريقة التي يشعر بها تجاه نفسه. تقول القصة إن أحد الوزراء كان يزور أحد المصانع، فلفت انتباهه عاملٌ يقوم بتعبئة المسامير والبراغي الصغيرة في علب مخصصة لها، وكان أثناء ذلك يغني ويعمل بهمة ونشاط، وتظهر عليه علامات السعادة. اقترب منه الوزير وسأله: “لماذا أنت بهذه السعادة؟”، فأجاب العامل: “أنا أصنع الطائرات يا سيدي!”. سأله الوزير متعجباً: “طائرات؟! كيف؟!”، فأجاب العامل: “إن هذه المسامير معدة من أجل صناعة الطائرات، ومن دون تثبيتها في جسم الطائرة فإنها لن تطير”.

تلك القصة، وغيرها من القصص التي تثري أدبياتنا، تكشف لنا عن معنى عميق يحمله الإنسان تجاه عمله في المجتمع. هذا العامل يكشف السر الكامن خلف المعاني التي يضفيها كل شخص على مهنته؛ قيمتنا ونظرتنا لأنفسنا، وأحد أهم أسباب سعادتنا. إن تحويل العمل إلى رسالة هو الرهان الوحيد الذي يحمي الإنسان من أن يتحول هو نفسه إلى ميكانيكي صامت في طاحونة الحياة اليومية؛ إنه الحبل السري الذي يربط الجهد اليومي البسيط بالخلود والأثر. نعم، هناك فرق كبير بين من يرى في نفسه مجرد عامل تعبئة يجمع المسامير في علب صغيرة، وبين من يرى في نفسه شريكاً في صناعة الطائرات؛ فلولا تلك المسامير لما أمكن تثبيت أجزاء الطائرة قبل أن تدخل الخدمة في وسائل النقل لتنقل المسافرين من مكان إلى آخر.

نعم، هناك فرق شاسع بين من لا يرى في وظيفته إلا الأجر الذي يجنيه، وبين من يرى الأثر الذي يتركه، وهذا هو الدافع الذي يصنع الفارق في النتيجة؛ فإما تطور وازدهار، وإما مجرد ماكينة تضاف إلى المصنع لزيادة الإنتاج. أينما كان موقع الإنسان في عمله، فلا شك أنه يؤدي مهمة ووظيفة تسهم في رفاهية المجتمع، لكن هناك فعلاً من يحدث فرقاً في وظيفته لتتشابك الأيدي وتصنع وطناً. وفي المقابل، هناك الكثيرون ممن يرون أن واجباتهم تنتهي بنيل الأجر، وهو ليس عيباً، فالأجر حق طبيعي لا تستقيم الحياة من دونه، ولكن المشكلة تبدأ حين يتحول إلى الغاية الوحيدة وينفصل العمل عن أثره ومسؤوليته. فالأجور هي تحصيل حاصل في العمل، أما الأوطان فتبنى بالعرق، وحين تطغى عقلية “صناعة الأجور” يصاب الوطن بالترهل، فالمعامل والمدارس والمكاتب لا تبني مجداً بالجداول الزمنية وساعات الدوام، بل بالروح والاهتمام والتفاني الذي يضعه الصانع في صنعته.

وليس المقصود من ذلك أن يتنازل الإنسان عن حقه في الأجر الكريم، فالأجر حق مشروع وثمرة طبيعية للعمل، لكن المجتمعات التي صنعت نهضتها لم تبنها المناصب الكبيرة وحدها، بل بناها أناس عاديون أتقنوا أعمالهم وشعروا بأنهم شركاء في صناعة المستقبل. فبناء الأوطان لا يحتاج دائماً إلى مواقع قيادية أو أدوار استثنائية، بل يحتاج إلى ضمير حي وإحساس عميق بالمسؤولية. وحين تتحول ثقافة الإتقان إلى قيمة عامة، يصبح النجاح الجماعي نتيجة طبيعية لتراكم الجهود الصغيرة التي يؤديها كل فرد بإحساس صادق بالانتماء.

ومن يعمل ليبني وطناً معافى سيحصل على أجرين: أجر يعتاش منه، وأجر يمنحه السعادة وهو يرى الوطن في أجمل حلله؛ بهياً، شامخاً، وعزيزاً.

فالمدرس يعلم الأولاد، ولكنه أيضاً شريك في صناعة الأجيال.

والطبيب يعالج الأمراض، ولكنه برعايته شريك يمنح الصحة والأمل للناس.

والمهندس يرسم الخرائط، ولكنه شريك في صناعة الجمال المعماري، وسلامة البناء، وتوفير السكن الصالح.

والمزارع لا يزرع الأرض فحسب، بل يسهم في توفير الأمن الغذائي وصون العلاقة التاريخية بين الإنسان وأرضه.

والعامل الذي قد تبدو مهمته بسيطة، إنما يضيف بجهده لبنة لا غنى عنها في البناء الكبير الذي اسمه الوطن.

نعم، إن هذه النظرة العميقة هي التي تجعل العمل رسالة، وهي التي تمنح الإنسان قيمته الحقيقية؛ فالقيمة تنبع من الطريقة التي ينظر بها المرء إلى نفسه، لا من الطريقة التي ينظر بها الآخرون إليه. لا يستطيع أحد أن يقلل من شأنك ما لم تكن أنت تشعر بذلك في داخلك، ولا أحد يستطيع رفع قيمتك ما لم تكن أنت أول من يشعر بقيمة نفسك. وفي أوقات الأزمات والتحولات، لا تنجو الأمم بكثرة مواردها المادية، بل بخصوبة ضمائر أبنائها، وبوجود ذلك الموظف الذي يرفض أن يكون هامشياً، ويصر على أنه شريك في الصياغة النهائية لمستقبل بلاده.

كم نحن بحاجة اليوم إلى ذلك الوعي الأصيل الذي يمتلكه عامل بسيط، يرى في نفسه شريكاً حقيقياً في صناعة الطائرات، وهو لا يقوم إلا بتعبئة المسامير في علبها الصغيرة. فالأوطان لا تبنى بالشعارات الكبيرة وحدها، بل بأناس يؤمنون بأن لكل عمل قيمة، وأن كل جهد صادق يضيف لبنة جديدة في صرح الوطن. وحين يدرك الإنسان أن أثره أكبر من راتبه، وأن رسالته أوسع من وظيفته، تتحول الأعمال الصغيرة إلى إنجازات كبيرة، ويتحول المجتمع من مجموعة أفراد ينتظرون الأجور إلى شركاء حقيقيين في صناعة الأوطان.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يواجه الفلسطيني محو الهوية؟ : استراتيجية البقاء الفلسطيني.

النظام العالمي الجديد: رمال متحركة لا ثوابت فيها وعمادها المصالح

سفينة لا تنكسر: في وداع عام واستقبال وطن وشعب من الرماد يعود