سقوط “فزاعة الحرب”: هل يفتح الاتفاق الأمريكي الإيراني الباب أمام مرحلة ما بعد نتنياهو؟

 سقوط “فزاعة الحرب”: هل يفتح الاتفاق الأمريكي الإيراني الباب أمام مرحلة ما بعد نتنياهو؟


بقلم: مروان سلطان — فلسطين 🇵🇸

25.4.2026

————————————————


من الواضح منذ وقف إطلاق النار الأخير بين الولايات المتحدة وإيران أن الرئيس ترامب لا تتوفر لديه الرغبة في شن الحرب مجدداً على إيران، بالرغم من التهديدات التلفزيونية بالضربة القاصمة التي كان يلقيها عبر الإعلام، والتي جعلت العالم يعيش هواجس اتساع الحرب وما قد تحمله من دمار وتداعيات تتجاوز حدود الإقليم. وبدا أن الرئيس ترامب اليوم يميل إلى إنهاء الحرب بصيغتها المفتوحة التي كان يُخشى أن تتحول إلى مواجهة إقليمية أو دولية ذات آثار غير محسوبة على الاقتصاد والاستقرار العالمي.


لكن الاتفاق يمثل نقطة تحول من منطق الحرب إلى ما يمكن وصفه بإدارة الصراع مع إيران؛ وهنا جاء الاتفاق لأسباب تتعلق بالضغط الدولي والمحلي، ورؤية براغماتية ترى في الحروب المفتوحة استنزافاً اقتصادياً يعيق الوعود الانتخابية في الداخل الأمريكي، إضافة إلى محاولة الحفاظ على قدر من الاستقرار العالمي الذي بدأ يتعرض للاهتزاز بسبب تلك المواجهة.


ومنذ اللحظة التي أُعلن فيها عن قرب التوصل إلى بلورة اتفاق بين الجانبين الإيراني والأمريكي، ساد استياء واضح داخل الأوساط الإسرائيلية الرسمية؛ إذ عبرت وسائل الإعلام الإسرائيلية عن امتعاض نتنياهو وقطاعات من الشارع الإسرائيلي من وقف الحرب دون تحقيق ما اعتُبر أهدافاً حاسمة. وكانت وعود نتنياهو للداخل الإسرائيلي تتمحور حول حسم الصراع وإنهاء مصادر التهديد على مختلف الجبهات: إيران ولبنان وغزة، إلا أن هذه الأهداف لم تتحقق بالصورة التي رُوج لها، وما زالت ملفات عديدة مفتوحة، فيما بقيت تداعيات الحرب على غزة حاضرة دون إغلاق الحسابات السياسية والأمنية المرتبطة بها.


وتشير بعض القراءات إلى أن الاتفاق قد يمنح إيران هامشاً أوسع للحركة السياسية والإقليمية، وهو ما تنظر إليه إسرائيل باعتباره تراجعاً عن سياسة الضغط القصوى، بينما يرى آخرون أن الاتفاق لا يعني بالضرورة تعاظم النفوذ الإيراني بقدر ما يعكس إعادة ترتيب لأولويات واشنطن في المنطقة. كما برزت خلال الأزمة أهمية موقع إيران الجيوسياسي، وخصوصاً ارتباطها بممرات الطاقة وحرية الملاحة، وهي عوامل جعلت إدارة الصراع تبدو لدى بعض الأطراف خياراً أقل كلفة من الاستمرار في الحرب.


لقد ذكرنا غير مرة سابقاً أن الطبقة السياسية الحاكمة في إسرائيل، وتحديداً نتنياهو، تعمل على خلق فزاعات واستثمارها سياسيا لإبقاء الشارع الإسرائيلي في حالة خوف دائم من التهديدات الخارجية، بما يساهم في إطالة عمر المنظومة السياسية القائمة أو تأجيل استحقاقات داخلية قد لا تضمن استمرار الائتلاف اليميني الحالي في الحكم. فحين تنخفض وتيرة التهديدات، تعود الملفات الداخلية المؤجلة — من أزمات اقتصادية، وانقسامات مجتمعية، وقضايا فساد — إلى الواجهة، بما يفتح الباب أمام صراعات سياسية داخلية أكثر تعقيداً. وبالرغم من ذلك، لا توجد دولة في العالم تحظى بدرجة الدعم السياسي والأمني الذي تحظى به إسرائيل من القوى الدولية المتنفذة، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية.


وتتفق معظم التحليلات على أن بنيامين نتنياهو قد يكون من أبرز المتضررين سياسياً من هذا التطور الدبلوماسي؛ فبعد سنوات من بناء عقيدته السياسية والانتخابية على مبدأ منع الاتفاق مع إيران والحديث عن تحقيق إنجازات استراتيجية عبر تعدد الجبهات، يأتي الاتفاق ليضع هذه السردية أمام اختبار جديد. كما أن استدعاء المجلس الوزاري المصغر (الكابينت) بصورة عاجلة يعكس حالة القلق السياسي التي حاولت وسائل الإعلام الإسرائيلية تسليط الضوء عليها، وسط تساؤلات حول قدرة الإنجازات العسكرية على التحول إلى واقع سياسي واستراتيجي مستقر.


كما برزت في بعض الأوساط الإسرائيلية نقاشات حول تقييم المرحلة السابقة، بما في ذلك مراجعة التقديرات التي قُدمت بشأن سرعة حسم المواجهة، والرهان على أن تؤدي الحرب إلى تحولات داخلية في إيران لم تتحقق على أرض الواقع.

إلا أن ما يجري لا يعني بالضرورة تراجع التحالف الأمريكي الإسرائيلي، بقدر ما يكشف حدود التطابق بين مصالح الطرفين. فواشنطن، حتى في أكثر مراحل دعمها لإسرائيل، تبقي قرار الحرب والتسوية مرتبطاً بحساباتها الاقتصادية والعسكرية والاستراتيجية الأوسع. وهذا ما قد يجعل إسرائيل أمام تحد جديد: كيف تحافظ على مكانتها الخاصة لدى واشنطن في لحظة تعيد فيها الولايات المتحدة ترتيب أولوياتها الإقليمية.


وأظهر الاتفاق أن أحد أهم أسباب الامتعاض الإسرائيلي لم يكن مجرد وقف العمليات العسكرية، بل أن القوة العسكرية لم تنجح في فرض شروطها النهائية، وأن الحليف الأمريكي اختار في نهاية المطاف مسار الاحتواء والدبلوماسية بما ينسجم مع مصالحه وحساباته الأوسع.


وإذا كانت الحروب تمنح القيادات السياسية وقتاً إضافياً وتؤجل الأسئلة الصعبة، فإن لحظات التهدئة تعيد تلك الأسئلة إلى الواجهة. وفي إسرائيل، قد لا يكون الاتفاق الأمريكي الإيراني نهاية لنتنياهو، لكنه قد يفتح الباب أمام اختبار سياسي جديد: كيف يمكن الاستمرار في إدارة مجتمع يعيش منذ سنوات على إيقاع التهديد الدائم حين تبدأ لغة المصالح والتسويات باستعادة مكانها.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يواجه الفلسطيني محو الهوية؟ : استراتيجية البقاء الفلسطيني.

النظام العالمي الجديد: رمال متحركة لا ثوابت فيها وعمادها المصالح

سفينة لا تنكسر: في وداع عام واستقبال وطن وشعب من الرماد يعود