الأمننة في إسرائيل.. بين إدارة المخاوف وتعزيز البقاء السياسي

 الأمننة في إسرائيل.. بين إدارة المخاوف وتعزيز البقاء السياسي

بقلم: مروان سلطان | فلسطين 🇵🇸

21.5.2026

——————————————


أثار حديث رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أمس خلال زيارته للحدود الأردنية، حين قال إن «أعداءنا يسعون لغزو إسرائيل»، جملة من التساؤلات التي تستحق التوقف أمامها: لماذا يوظف هذا السؤال اليوم ومستدام من حكام اسرائيل؟.


منذ نشأة دولة إسرائيل، احتل مفهوم الأمن موقعا مركزيا في بنية الدولة وخطابها السياسي. وتقوم قطاعات واسعة من سياساتها الداخلية والخارجية على ما يعرف في الأدبيات السياسية بـ«الأمننة»، أي تحويل الملفات السياسية والاجتماعية إلى قضايا أمن قومي تتطلب حالة دائمة من الاستنفار والتعبئة.


ومن هذا المنطلق، تعيش الجبهة الداخلية الإسرائيلية في حالة يقظة أمنية مستمرة، تتحول أحيانا إلى شعور جماعي بالتهديد الدائم. وحتى الأحداث الأمنية المحدودة قد يجري التعامل معها بوصفها أخطارا وجودية، بما يعزز لدى المجتمع الإسرائيلي الإحساس بأن الأمن هو الأولوية المطلقة. وكثيرا ما ينتابني السؤال حول حالة الخوف ، وعدم الشعور بالطمأنينة التي تبدو على الاسرائيلين ، في الاماكن العامة، وتبقى ايديهم على زناد اسلحتهم الشخصية ، ليتبين ان ذلك بسبب التعبئة التي يتعرضون لها من الطبقة الحاكمة في اسرائيل، هذه الطبقة التي لن تبني ابدا جسورا من اجل السلام ، بل تبني جدران وسياج الخوف والوهن.


يمكن فهم جانب من هذه الحالة أيضا في ضوء طبيعة العلاقة المتوترة تاريخيا بين إسرائيل ومحيطها الإقليمي، وما نتج عن الصراع الممتد مع الفلسطينيين والدول المجاورة من استمرار الاعتبارات الأمنية في مركز القرار السياسي. وفي المقابل، استندت حكومات إسرائيل المتعاقبة بدرجات متفاوتة إلى خطاب التهديدات الخارجية في استقطاب الناخبين وتعزيز مكانتها السياسية. وهذا المناخ يخلق علاقة خاصة بين المجتمع والسلطة؛ حيث تقدم القيادة السياسية نفسها بوصفها الضامن الوحيد للأمن وحامي الدولة والمجتمع من الأخطار المحيطة.


ولا يقتصر أثر هذا الخطاب على الداخل الإسرائيلي فقط، بل يمتد إلى تشكيل صورة إسرائيل خارجيا باعتبارها دولة تعيش تحت تهديد دائم. وهذا هو مشروع اسرائيلي مستدام بامتياز " خلق اعداء دائمين لاسرائيل، تمرر من خلاله مخططات توسع وفرض نفوذ واستقطاب داخلي. ويمكن ملاحظة ذلك في كثير من الإجراءات اليومية المرتبطة بالحركة والحدود والمطارات، حيث يتم تقديم كثير من التدابير بوصفها جزءا من خصوصية أمنية استثنائية. 


فالقادم عبر مطار تل أبيب يلاحظ منذ لحظة الوصول حضورا واضحا للإجراءات والتعليمات الأمنية، وتختصر كلمة المضيفين في الطائرات " ابقى في مكانك" الموضوع انت في اسرائيل ، هنا الاجراءات تختلف. وكذلك الحال في المعابر البرية، ومنها جسر العودة الذي تطلق عليه إسرائيل اسم جسر النبي وتطلق عليه الأردن جسر الملك حسين؛ إذ يشعر العابر بحضور أمني كثيف يرافق تجربة العبور من بدايتها حتى نهايتها.


وفي هذا السياق، يمكن قراءة تصريحات نتنياهو الأخيرة باعتبارها جزءا من خطاب سياسي يربط بين استمرار النهج الأمني وبين الحاجة إلى مواجهة أخطار يراها متزايدة. ويأتي ذلك في وقت تشهد فيه إسرائيل تحولات سياسية داخلية واستعدادات لمرحلة انتخابية جديدة.  ومع اقتراب الاستحقاقات السياسية، قد يصبح خطاب الأمن أكثر حضورا في المنافسة الداخلية، باعتباره أحد أكثر الملفات تأثيرا في توجهات الناخب الإسرائيلي.


ويبقى السؤال: إذا كانت المخاطر المتصورة تؤدي إلى هذا القدر من التعبئة والاستقطاب الداخلي، فكيف يمكن أن تتعامل حكومة اسرائيل وقيادتها مع تهديدات أكبر إن وقعت؟ وهل يمكن أن تتحول مركزية الأمن يوما ما إلى مساحة تفسح المجال أمام مقاربات سياسية مختلفة، يكون السلام أحد أدوات الاستقرار لا الاستثناء عليه؟.

من المؤكد  انه لا يمكن ذلك مع تلك العقليات!.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يواجه الفلسطيني محو الهوية؟ : استراتيجية البقاء الفلسطيني.

النظام العالمي الجديد: رمال متحركة لا ثوابت فيها وعمادها المصالح

سفينة لا تنكسر: في وداع عام واستقبال وطن وشعب من الرماد يعود