لم تنصفنا أوسلو وإلغاؤها لن يعكر صفونا: ولن يبقى في الوادي إلا حجارته

 لم تنصفنا أوسلو وإلغاؤها لن يعكر صفونا: ولن يبقى في الوادي إلا حجارته

بقلم: مروان سلطان — فلسطين 🇵🇸

10.5.2026

—————————————————


بعد أكثر من ثلاثين عاما على توقيع اتفاقية أوسلو، يبدو أن إسرائيل لم تعد تخفي رغبتها في طي تلك المرحلة بالكامل، ليس فقط بإلغاء الاتفاقيات، بل بإعادة تعريف شكل الوجود الفلسطيني وحدود حضوره السياسي على أرضه.


تناقش اليوم اللجنة الوزارية الإسرائيلية للتشريعات في الكنيست الإسرائيلي مشروع قانون يهدف إلى إلغاء اتفاقية أوسلو التي وقعتها إسرائيل مع منظمة التحرير الفلسطينية عام 1993 حول ما يسمى بالحكم الذاتي الانتقالي، ومنع إقامة دولة فلسطينية. وقد تقدمت بالمشروع ليمور ميلخ من حزب بن غفير. ويأتي المشروع ضمن حملة من التشريعات التي يظن الائتلاف الحكومي أنها ستعكر صفو الفلسطينيين، وتضيق عليهم، وتسلبهم معنى الحياة في معيشتهم، بهدف دفعهم إلى النزوح والتهجير وفقدان الأمل.


إسرائيل هي قوة احتلال، ومفروض عليها أن تسهل وتوفر الحد الأدنى من البرامج المعيشية التي تبقي، على الأقل، استمرار الحياة للشعب الفلسطيني. وإنهاء الاحتلال أمر حتمي، وإعادة الحقوق المسلوبة للشعب الفلسطيني ليست منة من أحد، بل استجابة لإرادة الشعوب.


اتفاقية أوسلو هي اتفاقية انتقالية، كانت مدة صلاحيتها الزمنية خمس سنوات، واستنفدت صلاحيتها القانونية سنة 1998. وكان من المفترض أن تبدأ مباشرة محادثات رسمية بين الفلسطينيين وإسرائيل حول المرحلة النهائية لاستحقاق الدولة الفلسطينية وحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني.


في المرحلة الأولى من تنفيذ الاتفاقية، التي امتدت بين عامي 1993 و2000، شعر الفلسطيني بالتغيير، إذ لم يعد الجيش والأمن الإسرائيلي متواجدين في المدن الفلسطينية، وعملت السلطة الفلسطينية بطاقة كبيرة جدا، أحدثت تغييرا في الشأن الفلسطيني، تلمسه القاصي والداني من أبناء الشعب الفلسطيني. كما حدث انتعاش اقتصادي واجتماعي لامس وجدان الفلسطينيين. لكن بعد الاجتياح الإسرائيلي، بدأت إسرائيل منذ ذلك الوقت بإلغاء أوسلو والتفاهمات التي توصلت إليها مع الفلسطينيين، إلى أن وصلنا إلى مرحلة شعرت فيها إسرائيل بالندم على تلك الاتفاقية، وهي تقوم الآن بإلغائها وفق التشريعات التي استحدثتها.


ورغم أن إسرائيل تتجه اليوم نحو إلغاء الاتفاقية على المستوى التشريعي، إلا أن الواقع يشير إلى أنها أفرغت أوسلو من كثير من مضامينه منذ سنوات طويلة، عبر التوسع الاستيطاني، وإعادة فرض السيطرة الأمنية والعسكرية على الأرض الفلسطينية. لذلك فإن ما يجري حاليا لا يقتصر على البعد القانوني فقط، بل يعكس تحولا سياسيا وفكريا داخل اليمين الإسرائيلي تجاه أي صيغة يمكن أن تقود مستقبلا إلى قيام دولة فلسطينية.

ومع تآكل الاتفاق تدريجيا، لم تعد إسرائيل تنظر إلى السلطة الفلسطينية كشريك سياسي، بل كأداة إدارة مؤقتة قابلة للاستبدال أو إعادة التشكيل.


هل فعلا ترغب إسرائيل بإنهاء السلطة الفلسطينية؟ بالتأكيد لا. فهي ستعمل، ما استطاعت، على إضعاف السلطة الفلسطينية القائمة والحد من نفوذها. وهي، دون أدنى شك، تعمل على استحداث سلطة فلسطينية بديلة من الموالين لها، من العشائر والوجوه التي طالما تكرر حضورها، تعمل على تطبيع الاحتلال مع الفلسطينيين تحت إدارة إسرائيلية، أمنية كانت أو مدنية.


دون أدنى شك، فإن الإجراءات الإسرائيلية تعيد القضية الفلسطينية إلى المربع الأول من الصراع، وبالتالي فإن هناك مستجدات قد تتفاقم، وتؤدي إلى انفجار الأوضاع، وقد تفضي إلى ميلاد نهج جديد للشعب الفلسطيني يكافح من أجل استعادة حقوقه ونيل حريته واستقلاله. ومن المؤكد أن هذا النهج لن يروق لإسرائيل، في ظل الإجراءات التي يجري فيها وأد تلك الاتفاقيات.


فالوقائع التي تُفرض بالقوة قد تعيد تشكيل أدوات الصراع، لكنها لا تنهي جذوره، ولا تلغي وجود الشعب الفلسطيني. فالقضية الفلسطينية لم تولد مع اتفاقية أوسلو حتى تنتهي بإلغائها، بل هي قضية شعب يعيش على أرضه ويتمسك بحقه التاريخي فيها، مهما تبدلت المشاريع السياسية وتغيرت موازين القوى.


وأمام التطورات الجارية، وأخرى قد تستحدث، وما يمكن أن تكون عليه التوجهات الفلسطينية في المرحلة المقبلة، تبدو المنطقة مقبلة على مرحلة مختلفة، قد تتراجع فيها رهانات التسوية التقليدية، مقابل صعود أشكال جديدة من المواجهة السياسية والميدانية، تفرضها التحولات التي تشهدها الضفة الغربية والمنطقة بأكملها.


لا يمكن أن تعود عقارب الساعة إلى الوراء، كما لا يمكن لأي قوة أن تلغي حقيقة وجود الشعب الفلسطيني أو تدفعه خارج التاريخ. ومهما اشتدت الضغوط، سيبقى الفلسطيني متمسكا بأرضه وحقوقه، لأن الشعوب قد تتعب، لكنها لا تختفي، ولن يبقى في الوادي إلا حجارته.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يواجه الفلسطيني محو الهوية؟ : استراتيجية البقاء الفلسطيني.

النظام العالمي الجديد: رمال متحركة لا ثوابت فيها وعمادها المصالح

سفينة لا تنكسر: في وداع عام واستقبال وطن وشعب من الرماد يعود