الإسلام جاء لاتباع الصراط المستقيم ووجه إلى وحدة الأمة

بقلم: مروان سلطان

9.5.2023

يقول الله تعالى: {وَأَنِ اعْبُدُونِي ۚ هَٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ}، من هنا نفهم أن الآية الكريمة توحي لنا بنهج العبادة، وأن العبادة تعني بكل جوارحها اتباع ما أمر الله به وحث عليه من العمل الصالح والامتناع عن الرذائل والموبقات.

لم تكن العبادة أبداً في القيام والقعود في أوقات الصلاة، والامتناع عن الطعام في شهر الصيام، أو الصعود والنزول والهرولة في أيام الحجيج فحسب، إنما العبادة في الأخلاق والقيم التي جاء بها النبي محمد ﷺ. ومن هنا جاء النبي عليه الصلاة والسلام ليقول: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، وقام بتحصين أداء الشعائر بمجموعة من القيم والأخلاق.

ومن هنا فإن المعاملات بين الناس هي مجموعة العلاقات الإنسانية وفحواها ومتانتها؛ لذلك قيل: "ليس المهم أن تحفظ آية من القرآن الكريم، يكفي أن تكون أخلاقك فيها آية"، تعبيراً عن أهمية القيم والأخلاق في المعاملات الإنسانية. لذلك عندما سُئل عمر عن كسوة الكعبة بالحرير قال كلمته المشهورة: "بطون المسلمين أولى"، فبالرغم من عظمة كسوة الكعبة ونيل الشرف في ذلك، إلا أن إطعام الناس أخلاق وقيم.

ونستذكر حديث الرسول في آخر كلماته إلى المسلمين في حجة الوداع: "إنَّ دِماءَكُم، وأمْوالَكم وأعْراضَكُم حرامٌ عَلَيْكُم كَحُرْمة يومِكُم هَذَا، في شهرِكُمْ هَذَا، في بلَدِكُم هَذَا، ألا هَلْ بلَّغْت"؛ فهل هناك أقوى من تلك الأوامر والنواهي حتى يستقيم الناس؟ وعن الرسول ﷺ يقول الله تعالى في الحديث القدسي: (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا...)؛ هذه الدعوات التي تحث على الأخلاق هي في أصولها العبادات التي تم توجيه الأمة إليها.

وفي آية أخرى جاء قول الله تعالى عن صفات المؤمنين: "وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا..." (إلى آخر الآيات). كما نستذكر الرسول عليه الصلاة والسلام في الحديث الشريف: "أعطوا الطريق حقها". هل يوجد ما هو أوضح من ذلك في طريق الاستقامة وحفظ حقوق الناس وحفظ ماء وجه المسلمين؟ العبادات هي استقامة المؤمنين في معاملاتهم مع بعضهم البعض، وصفات لا تُنتهك فيها الأعراض والنفوس ولا تُؤكل فيها الحقوق.

العبادات ليست تحريضاً للقتل بل حفظ وحقن للدماء، ورص للصفوف. يكفي أن أقول إن المتربصين بشعبنا ليسوا قلة، بل هم يحيطون بنا كما يحيط السوار بالمعصم، يتربصون ويريدون أن ينتهي الشعب الفلسطيني من هذه الأرض. وجاء في الحديث الشريف: "إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار". ومن أراد أن يطهر الأرض من أهلها وأبنائها فليذهب ويطهر نفسه وسراويله، فذلك أولى له مما يتحدث به ويحرض عليه.

أما القرآن فتحدث في قوله تعالى: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا}. ومن هنا فإن من كان له دالة على اعتلاء المنابر فليقل خيراً أو ليصمت؛ ذلك هو أقرب للتقوى ومن أجل وحدة الأمة.

للأسف إن ما قرأناه عن سماحة الإسلام والمسلمين عبر العصور، ودورهم في ريادة الأمة، جاء في عصرنا هذا ليمتلئ الدنيا قتلاً وتدميراً حيثما حلوا في هذه الأرض، وذلك لأنهم ليسوا حجة على الإسلام ولا المسلمين. "الإسلام السياسي" ليس عليه أن يكون جزءاً من المنظومة التي تعتلي الحكم في العالم العربي والإسلامي في قمع الأمم، عليه أن ينظر كيف أن العدل والديمقراطية يتم انتهاجها في الدول الأوروبية وما تسمي نفسها دول العالم الحر. وإذ أنتم ترفضون ما يخالف الدين عندهم، فخذوا ما يوافق الدين عندنا حيث يعيش المسلمون في أكنافهم أحراراً دون أن يلحقهم أذى. تقول ميركل (رئيسة وزراء ألمانيا السابقة): "يوجد في الهند والصين أكثر من 150 رباً و800 عقيدة مختلفة ويعيشون بسلام مع بعضهم، بينما المسلمون لديهم رب واحد ونبي واحد وكتاب واحد ولغة واحدة، لكن شوارعهم تلونت بالأحمر من دمائهم؛ القاتل يصرخ الله أكبر والمقتول يصرخ الله أكبر". متى ترتصف الصفوف ومتى نتكلم ونفهم؟

حقيقة إنني لا أنتهي من تدوين معنى الاستقامة في العبادات لأنها الدين كله، وقد جاء في كلام الله والحديث النبوي ما يصقل هذه القيم والأخلاق الحميدة منذ اللبنة الأولى في الدعوة الإسلامية وحتى حجة الوداع.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يواجه الفلسطيني محو الهوية؟ : استراتيجية البقاء الفلسطيني.

النظام العالمي الجديد: رمال متحركة لا ثوابت فيها وعمادها المصالح

سفينة لا تنكسر: في وداع عام واستقبال وطن وشعب من الرماد يعود