دولة داخل دولة: كيف يُعاد تشكيل الضفة الغربية في ظل توازنات لا تشكل رادعا كافيا لمنعها

دولة داخل دولة: كيف يُعاد تشكيل الضفة الغربية في ظل توازنات لا تشكل رادعا كافيا لمنعها


بقلم: مروان سلطان – فلسطين 🇵🇸

6.5.2026

———————————————


تشهد الضفة الغربية تحولات متسارعة تعيد تشكيل واقعها على نحو غير مسبوق. فمن مأسسة أعمال المستوطنين في إدارة العنف المدعوم حكوميا، إلى تسارع وتيرة الاستيطان، وارتفاع مستوى القوة التي يستخدمها الجيش الإسرائيلي، يتشكل مشهد جديد يتجاوز كونه تصعيدا تقليديا.

في هذا السياق، تبدو استراتيجية التوازن الإقليمي وكأنها تفقد معناها، أمام تحولات قد يكون لها تأثير مباشر على الأمن القومي في المنطقة. ولا يقتصر الأمر على ممارسات متفرقة، بل يتجلى في نمط من الحماية والتغاضي، يقترب من كونه سياسة غير معلنة، تُنتج واقعا يُمنح فيه المستوطن هامش فعل واسع دون مساءلة. وزير المالية الاسرائيلي يقول : " الحرب يجب ان تنتهي بتغيير حدود اسرائيل في غزة والضفة الغربية ولبنان وسوريا" ويقول ايضا : "لا اهتم بعدد القتلى من الاعداء ، وما يعنينني هو السيطرة على مساحات واسعة من اراضيهم". 


لا شك أن المستوطنين يمارسون أعمالا باتت أقرب إلى سلوك “دولة داخل دولة”، وهو ما يفرض تساؤلات جديدة ومهمة في واقع الحياة الفلسطينية، تقود في مجملها إلى حصر الفلسطينيين في مناطق محددة، وحرمانهم من مقومات الحياة الطبيعية والتنوع الحيوي الذي يشكل أساس استقرار المجتمعات. يمارس المستوطنون حرق الممتلكات والمزارع، وتكسير أغصان الأشجار، وملاحقة المزارعين، ومنعهم من الوصول إلى أراضيهم، في مشهد يتكرر دون مؤشرات جدية على المساءلة أو الردع.


ومن جهة أخرى، يتناوب الجيش الإسرائيلي مع المستوطنين في رفع مستوى العنف والقمع الممارس في الضفة الغربية. فقد صرح قائد الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية “آفي بلوط” بأن الجيش يقتل في الضفة ما لم يقتله منذ عام 1967، وأنه ينفذ سياسات أمنية، بحسب وصفه، لمنع وقوع هجمات على غرار السابع من أكتوبر. وتشير تقارير محلية إلى أن قوات الجيش، خلال مداهمتها منازل الفلسطينيين في المناطق المستهدفة، تعتدي بالضرب المبرح على السكان، وتطالبهم بالهجرة إلى الأردن.


وفي إشارة إلى التمييز في التعامل، يقرّ بأن الجيش لا يطلق النار على المستوطنين عندما ينفذون هجمات ضد الفلسطينيين، في حين يستخدم القوة النارية بشكل غير متناسب ضد الفلسطينيين، ما يؤدي إلى ارتفاع أعداد الضحايا، وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول مدى الالتزام بمبادئ التمييز والتناسب في القانون الدولي الإنساني. كما يشير إلى أن عدد المعتقلين الإداريين الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية تجاوز أربعة آلاف معتقل دون محاكمة، في مقابل غياب أي مستوطن معتقل على خلفية ممارسته العنف ضد الفلسطينيين.


إن تفاقم الحالة الجيوسياسية على هذا النحو لا ينعكس على الداخل الفلسطيني فحسب، بل يمتد ليضع ضغوطا متزايدة على البيئة الإقليمية، خاصة في ظل احتمالات دفع السكان نحو الهجرة، وما يحمله ذلك من تبعات مباشرة على الدول المجاورة. وفي هذا السياق، تبدو الحاجة ملحّة لوضع النقاط على الحروف: فالقوة التي تمتلكها إسرائيل تتيح لها المضي في تنفيذ سياساتها دون عوائق تُذكر، خاصة في ظل بيئة إقليمية تفتقر إلى أدوات فاعلة للتأثير، سواء عبر الدبلوماسية أو غيرها من الوسائل، او قرار استراتيجي له تاثير في صد النهج الاسرائيلي المحموم.


ما يجري في الضفة الغربية لم يعد مجرد تصاعد في وتيرة العنف، بل تحولا تدريجيا في طبيعة السيطرة على الأرض والإنسان. وبين مستوطن يتحرك بهامش واسع، وجيش يعيد تعريف أدواته، تتشكل معادلة جديدة قد لا تقف حدودها عند الجغرافيا الفلسطينية، بل تمتد لتعيد طرح أسئلة الاستقرار في الإقليم بأكمله.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يواجه الفلسطيني محو الهوية؟ : استراتيجية البقاء الفلسطيني.

النظام العالمي الجديد: رمال متحركة لا ثوابت فيها وعمادها المصالح

سفينة لا تنكسر: في وداع عام واستقبال وطن وشعب من الرماد يعود