تقرير أممي يحذر من انكماش اقتصادي في ظل استمرار الوضع السياسي القاتم

4.5.2023

بقلم: مروان سلطان

إن الواقع السياسي القائم، وما تمارسه الحكومة الإسرائيلية من تقويض للتطلعات الفلسطينية، يعرقل السعي الحثيث للتخلص من الاحتلال في الضفة الغربية ورفع الحصار عن قطاع غزة؛ مما أعطى مؤشرات على إمكانية حدوث اضمحلال اقتصادي في العام المقبل.

ولكن، إن أردنا خلق واقع جديد نضع فيه أساسات الدولة للمرحلة المقبلة والتحرر من براثن الاحتلال، فمن الضروري أن نقفز بالسياسات الاقتصادية نحو انطلاقة جديدة. ولنستعرض الواقع الحالي لوضع الأسس السليمة لاقتصاد قوي يمكن الاعتماد عليه:

أولاً: البطالة:

ما تزال البطالة تؤرق مضجع الساسة في كل مكان، فواقعها مقلق، وانخفاضها بطيء وغير ملحوظ، بينما يظل ارتفاعها مرشحاً في ظل البيئة الاقتصادية القائمة. إن الحكومات الفلسطينية المتعاقبة لم تُجرِ أي تعديل جوهري يمكن من خلاله تقليص البطالة أو الدفع باتجاه رفع نسبة القوى العاملة المحلية.

ومن أهم أسباب البطالة أن التعليم الجامعي (فوق الثانوي) لا يلبي احتياجات السوق المحلي؛ إذ يرفد التعليم الجامعي السوق سنوياً بما يقارب أربعين ألف خريج لا يجدون مصدراً للرزق، وإن سنحت لهم فرصة عمل، فإنهم يعملون غالباً خارج إطار تخصصاتهم التي درسوها أو امتهنوها.

وهذا يعني إهداراً لرأس المال البشري وتشتيتاً للقوى العاملة الفلسطينية؛ مما يؤدي بالضرورة إلى تزويد سوق العمل الإسرائيلي بتلك الأعداد التي لم تعد قادرة على إيجاد فرص لها في سوق العمل الفلسطيني.

فهل سنشهد تغييراً دراماتيكياً حقيقياً في مسار التعليم الجامعي لتلبية احتياجات سوق العمل؟ هذا سؤال مطروح بقوة أمام الساسة والحكومة الفلسطينية العتيدة، من أجل إحداث نقلة نوعية تؤثر على مسار البطالة ونسبتها في المرحلة المقبلة.

ثانياً: إطلاق الاستثمار في القطاعين الزراعي والصناعي:

أعتقد جازماً أن الاستثمار يواجه عقبات تعيق جلب المستثمرين للعمل في الضفة الغربية، لا سيما في ظل غياب التسهيلات والخدمات التي تدعم هذا التوجه.

ثالثاً: المشاريع الصغيرة للرواد الشباب:

تعد هذه المشاريع ضرورية لفتح الآفاق أمام الشباب وتعزيز قدراتهم، والأخذ بيدهم عبر رصد العوائق وتذليلها. ولعل الزراعة من أهم الموارد التي يمكن الاعتماد عليها، بالتعاون مع الجهات ذات العلاقة، من خلال منح الأراضي الزراعية وتسهيل المهام.

رابعاً: وقف الخصخصة:

تعد المشاريع الحكومية من المصادر التي تؤمّن دخلاً للحكومة، ومصدراً مهماً للتغلب على البطالة في مختلف المجالات.

خامساً: الواردات والصادرات:

من أهم عوامل تخفيض العجز هو تقنين الواردات ورفع الصادرات. فنحن ما زلنا من أكبر المستوردين، خاصة من دولة الاحتلال؛ حيث تتخطى قيمة الواردات السنوية أربعة مليارات دولار، بينما لا تتجاوز الصادرات 1.3 مليار دولار. وهنا وجب التنويه إلى أن معظم الإنتاج الفلسطيني يصدر إلى إسرائيل بملصق "صنع في إسرائيل"، للأسف، خاصة في مجال صناعة الأحذية والجلود.

من جهة أخرى، فإن الواردات غير مقيدة، ولا يوجد ما يحمي الصناعة الوطنية لتعزيز مكانة المنتج الفلسطيني. نحن بحاجة ماسة إلى سياسات وطنية صارمة لتعزيز الإنتاج الوطني، والحد من الاستيراد المفتوح دون قيود.

ولا يفوتني الحديث عن "السوق السوداء" وتأثيراتها الخطيرة؛ فالحديث في الشارع الفلسطيني يدور بصراحة عن تبييض للأموال، واستيراد غير منظم، وتجارة ضخمة غير رسمية، حيث تفوق أرباح بعض السلع المستوردة 200% و300%، بل وأكثر من ذلك. هذه القضايا يجب أن تجد حلاً جذرياً في السوق الفلسطيني.

سادساً: الإنتاج المنافس:

وهو العامل المهم لتصريف الإنتاج؛ فكلما ارتفعت الكفاية الإنتاجية زادت القدرة على التسويق بأسعار وقدرات منافسة، وهذا ما ميز بعض المنتجات المحلية.

إن من أهم العوامل التي تؤثر في النمو الاقتصادي هي "حرية الحركة"، وهي للأسف غير متوفرة في الضفة الغربية بسبب إجراءات الاحتلال، والحواجز الأمنية، واعتداءات المستوطنين. كما أن المعابر تخضع للسيطرة الإسرائيلية؛ مما يمنع أي حرية لانسياب الحركة التجارية الفلسطينية دون تدخل الاحتلال.

ولعل استيلاء إسرائيل على جزء من العائدات الضريبية (المقاصة) يؤدي إلى عجز في موازنة السلطة وانكماش في الاقتصاد الذي يعتمد بشكل رئيس على الرواتب، التي أصبحت "مجتزأة" بسبب قرصنة الاحتلال. كما أن محاولات إسرائيل مصادرة الأراضي الزراعية، خاصة في مناطق (ج) التي تشكل 60% من الأراضي، تعد سبباً رئيساً في هذا الانكماش وتوقف النمو.

ختاماً، يبقى "الانقسام" هو المؤثر الأكبر في هذا الشلل الاقتصادي؛ إذ شكل الضربة القاصمة للقضية الفلسطينية في مساراتها المختلفة، بما فيها المسار الاقتصادي.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يواجه الفلسطيني محو الهوية؟ : استراتيجية البقاء الفلسطيني.

النظام العالمي الجديد: رمال متحركة لا ثوابت فيها وعمادها المصالح

سفينة لا تنكسر: في وداع عام واستقبال وطن وشعب من الرماد يعود