إسرائيل… خططٌ تُبنى على الحسابات الدقيقة، وأوهامنا تعيش على صدى أمجاد الماضي أو على فتات الإنجازات.

إسرائيل… خططٌ تُبنى على الحسابات الدقيقة، وأوهامنا تعيش على صدى أمجاد الماضي أو على فتات الإنجازات.

بقلم: مروان سلطان | فلسطين 🇵🇸
19.5.2026

————————————

تُعتبر إسرائيل دولة صغيرة الحجم مقارنة بالدول المحيطة بها، ومع ذلك فإن هذه الدولة التي زُرعت في قلب العالم العربي، أعدّت نفسها لتكون نموذجاً يحاكي مسار الدول الغربية الديمقراطية — لليهود القاطنين فيها فحسب وليس لأحد غيرهم. لكن تأثيرها السياسي والاقتصادي والأمني بات يتجاوز حدودها الجغرافية، ويظهر بدرجات متفاوتة في امتدادات الإقليم من المشرق حتى شمال أفريقيا.

إن كل خطوة تخطوها إسرائيل أو تنفذها تُبنى وفق حسابات دقيقة في مختلف المجالات، حيث انتهجت المسار العلمي والبحثي لتحقيق أهدافها في التنمية والتطور. حسابات دقيقة لكل مسارات العمل الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والأمني تتقدم خطوات الدولة العبرية؛ وهذا واقع رقمي ومعرفي لا يمكن تزييفه، تجسده لغة الأرقام الصادمة. ففي الوقت الذي تتصدر فيه إسرائيل دول العالم بإنفاقها ما بين 5.4% و5.6% من ناتجها المحلي الإجمالي على البحث العلمي والابتكار، وتُصنف باستمرار ضمن الدول الأولى عالمياً في مؤشرات الابتكار بوصفها دولة للشركات الناشئة ،حيث تشكل صادرات التكنولوجيا المتقدمة أكثر من نصف صادراتها الصناعية، نجد في المقابل واقعاً عربياً وفلسطينياً مختلفاً بصورة واضحة.

وفي المقابل، نحن الفلسطينيين والعالم العربي نملك إنجازات ومؤسسات وتجارب تستحق البناء عليها، لكنها ما زالت في كثير من الأحيان متفرقة وغير قادرة على التحول إلى مشروع تنموي متراكم. وعندما نتحدث بالأرقام مقارنة بمحيطنا أو بالعالم، لا نجد أرضية متكافئة للمقارنة؛ إذ يتراوح متوسط الإنفاق العربي على البحث العلمي بين 0.2% و0.8% فقط من الناتج المحلي، ينتهي معظمها كرواتب ومصاريف إدارية لا في المختبرات والابتكار، بينما يقبع هذا المؤشر في فلسطين تحت حاجز الـ0.2% نتيجة الحصار والاحتلال ومحدودية الموارد. ومع ذلك، ربما نكسب شرف المحاولة إذا ما وُجهت الجهود نحو التقدم الحقيقي في بلادنا.

وللأسف الشديد، فإن كثيراً من علمائنا وأبنائنا المبدعين لا تتواءم بيئاتنا المحلية، وأحياناً البنية الإدارية والثقافية، مع إمكانية إشراكهم في التنمية والبناء في مجتمعنا العربي عامة، والفلسطيني خاصة؛ فيضطرون إلى الهجرة مع أول رحلة نحو البلدان التي تلقوا فيها تعليمهم أو وجدوا فيها بيئة تسمح لهم بالإبداع. إننا نواجه نزيفاً حاداً للعقول؛ حيث تشير التقارير الدولية إلى أن العالم العربي يساهم بنسبة كبيرة من هجرة الأدمغة من الدول النامية، فقرابة 50% من الأطباء، و23% من المهندسين، و15% من العلماء العرب يهاجرون بحثاً عن بيئة تُقدّر العلم وتوفر مقومات الإبداع، في حين يبقى الاقتصاد العربي أسيراً للمواد الخام أو التبعية الاقتصادية القسرية، كما هو حال الاقتصاد الفلسطيني الرازح تحت قيود الاتفاقيات المفروضة كبروتوكول باريس الاقتصادي.

إن استدعاء التاريخ يمنح الشعوب الثقة والهوية، لكنه لا يغني عن إنتاج إنجازات جديدة تليق بالحاضر. ما زلنا كثيراً ما نستند إلى انتصارات خالد بن الوليد، وسعد بن أبي وقاص، وعمرو بن العاص وغيرهم من القادة في عصور مختلفة، ونستحضر أمجاد الحضارة العربية في الأندلس؛ لكن السؤال الذي يفرض نفسه: ما الذي يمنعنا اليوم من بناء تجربة حضارية جديدة تتباهى بها الأمم، ونحن نملك من الموارد البشرية والمادية ما لا يملكه غيرنا؟

نحن في عالمنا العربي نتقدم في السلطة والتسلط، ونتراجع في البناء والتقدم؛ وكأننا نُجيد إدارة الواقع أكثر من صناعة المستقبل.

في هذه التقدمة، أود فقط الإشارة إلى أن الخطاب العربي — ومن ضمنه الفلسطيني — ما زال في كثير من الأحيان مبنياً على تضخيم المنجزات والادعاء بالانتصار؛ ففي كل تجربة، أو معركة، أو تنفيذ لبرنامج ديمقراطي، أو صدور قرار أممي، نرى فيه إنجازاً عظيماً. وهو في المؤكد أمر مهم، لكن الأهم هو: كم يقربنا هذا الإنجاز من حلمنا؟

لا تزال حساباتنا في كثير من الأحيان تقيس الإنجاز بحجم الخطاب لا بحجم الأثر، وبالرمزية أكثر مما تقيسه بالمؤشرات والنتائج. فالخطوة التي تحقق هدفنا الاستراتيجي هي الانتصار الحقيقي، أما الخطوات التي لا تقربنا من أحلامنا فهي بحاجة إلى إعادة التقييم والخروج من فوهة القنينة بخطط مدروسة ومحسوبة بالورقة والقلم، وإلا فإننا سنمضي كما يُراد لنا لا كما نريد.

التغيير ضرورة ملحة، وبدون تغيير النهج واحتساب الخطى ومعرفة إلى أين نحن ذاهبون، فإن غيرنا سيمسك بالمقود ويسخرنا لما يريد. لقد آن الأوان ليتغير النهج العربي، وآن الأوان لتكون خطانا مستندة إلى الأرقام والمؤشرات والحسابات الدقيقة لنكون رقماً صعباً في هذا العالم، لا مجرد هامش.

فالأمم لا تُقاس بما تتذكره من أمجادها، بل بما تنتجه لأجيالها القادمة. والتاريخ لا يحفظ من كان أكثر حديثاً عن الإنجاز، بل من استطاع تحويل الفكرة إلى مؤسسة، والطموح إلى واقع.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يواجه الفلسطيني محو الهوية؟ : استراتيجية البقاء الفلسطيني.

النظام العالمي الجديد: رمال متحركة لا ثوابت فيها وعمادها المصالح

سفينة لا تنكسر: في وداع عام واستقبال وطن وشعب من الرماد يعود