حين تتحول الإهانة إلى سياسة: قراءة في اهتزاز التوازنات الدولية

 حين تتحول الإهانة إلى سياسة: قراءة في اهتزاز التوازنات الدولية


بقلم: مروان سلطان – فلسطين 🇵🇸

29.3.2026

—————————————————


من غير المألوف أن تسمع تصريحات غير لائقة مثل تلك التي تحدث بها الرئيس ترامب ليلة أمس، والتي طالت كلًا من سمو الأمير سلمان بن عبد العزيز، ودولة الكويت. هذا الحديث لا يليق إلا بألعاب الصبيان في الحارات، لكنه خرج إلى الفضاء السياسي الدولي والدبلوماسي، وتناقلته وسائل الإعلام التي تسابقت في نشره كالبَرق. هذا النمط من التصريحات يرسل رسائل متناقضة: قوة ظاهرة في اللغة، يقابلها قلق ضمني من فقدان السيطرة على مسارات أوسع حروب، اقتصاد، رأي عام داخلي.


يبدو أن الدوافع وراء هذه التصريحات النارية ذات طابع تحريضي، في ظل عدم ولوج المملكة العربية السعودية في الحرب مع إيران، التي أشعلها نتنياهو وترامب، وأُريد لها أن تكون شرارة لحرب بين المسلمين السنة والشيعة، ومشاركة السعودية في هذا التحالف. وكذلك إعلان الكويت أنها لا ترغب بوجود قوات أجنبية على أراضيها مشاركة في الحرب مع إيران، تفاديا، كما يبدو، للنأي بنفسها عن أي استهداف إيراني، أو تجنبا لتوصيفها كطرف في التحالف الأمريكي الإسرائيلي.


التصريحات الحادة أو الخارجة عن الأعراف ليست المشكلة بحد ذاتها، بل هي عرض لخلل أوسع؛ تآكل الضوابط التي كانت تحكم العلاقة بين القوة والخطاب. في السابق، لم نعهد مثل تلك التصريحات من الرئاسة الأمريكية، التي حافظت على لغة رصينة وهادئة، خاصة مع دول الخليج والحلفاء. وكانت اللغة الدبلوماسية تعمل كـ”مخدة امتصاص” للتوترات، حتى في أشد مراحل الصراع. 

اليوم، ومع صعود نماذج سياسية مثل الرئيس ترامب، تراجعت اللغة الدبلوماسية، وخفتت حرارة العلاقات مع الحلفاء، ولم تعد اللغة تُخفي التناقضات، بل تكشفها وتضخمها. من الواضح أن الرئيس ترامب يؤمن بأن العلاقات الدولية تُدار بمنطق الصفقات، لا بمبدأ الالتزام؛ ما يجعل التوازنات في العلاقات الدولية أكثر هشاشة، لأنها تفقد عنصر الثبات طويل الأمد. 

وبهذا، عندما تصبح الإهانة جزءا من الخطاب بين الحلفاء، فهذا لا يعكس فقط خللا أخلاقيا أو بروتوكوليا، بل يشير إلى تراجع قيمة التحالف ذاته، وتحوله من شراكة استراتيجية إلى علاقة نفعية مكشوفة.


في ظل بروز مثل هذه التصريحات اليوم، لم تعد اللغة السياسية مجرد أداة تعبير، بل تحولت إلى مرآة تعكس اهتزاز التوازنات الدولية. فحين ينحدر الخطاب إلى مستوى الإهانة العلنية بين الحلفاء، لا يكون ذلك مجرد خروج عن البروتوكول، بل مؤشرا على تحلل البنية التي كانت تضبط العلاقات بينهم.

 في هذا السياق، تبدو التصريحات المنفلتة كأنها إعلان غير مباشر عن انتقال النظام الدولي من منطق التحالفات المستقرة إلى منطق الصفقات المؤقتة، حيث تتراجع الثقة، ويعلو صوت القوة المجردة، وتتآكل المسافات التي كانت تفصل بين الخلاف والتصادم. أما الذين لم يعرفوا السعوديين جيدا، فإن صمتهم لا يعني الخضوع لمثل تلك المهاترات، بل يعكس إدراكا عميقا لتوازنات إقليمية بعيدة المدى، محكومة بحسابات المصالح القومية.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يواجه الفلسطيني محو الهوية؟ : استراتيجية البقاء الفلسطيني.

النظام العالمي الجديد: رمال متحركة لا ثوابت فيها وعمادها المصالح

سفينة لا تنكسر: في وداع عام واستقبال وطن وشعب من الرماد يعود