تفكيك الدول من الداخل: تحولات الصراع في زمن الحروب الهجينة
تفكيك الدول من الداخل: تحولات الصراع في زمن الحروب الهجينة
بقلم مروان سلطان. فلسطين 🇵🇸
27.2.2026
⸻———————————————
تسنى لي، مصادفة، مشاهدة مقطع فيديو للرئيس عبد الفتاح السيسي، وهو يتحدث عن حروب الجيل الرابع، وهي الحروب التي يقوم أساسها على إدارة الصراعات الداخلية للدول بدلا من الحروب التقليدية، وكذلك تفكيك الدول من الداخل. تقوم فكرة هذا النمط من الصراع على تأجيج الخلافات الداخلية، بحيث يتم إنهاك الدولة والشعب من الداخل، ويتحول الصراع من مواجهة خارجية إلى صراع داخلي متعدد الأطراف يستهلك الدولة والمجتمع ذاتيا. في هذا النموذج لا يكون الهدف احتلال الأرض فحسب، بل إعادة تشكيل وعي المجتمع تجاه نفسه، وإرباك أولوياته، حتى يفقد القدرة على تعريف خصمه الحقيقي.
وكان الرئيس السيسي يتحدث أمام جمهور غفير، وقد طرح سؤالا حول من برايكم الذي دمر سوريا، ثم أجاب بأن السوريين أنفسهم دمروا سوريا، وكذلك الحال في ليبيا والسودان وغيرها من الدول التي تشهد هذا النوع من الصراعات. وأراد من خلال ذلك الإشارة إلى خطورة المخططات التي تستهدف دول المنطقة، وكيف يمكن أن تتعطل الحياة وتُدمّر البلدان وتُهجّر الشعوب عبر إدارة الخلافات الداخلية وتغذيتها. فالخصم لا يسعى دائما إلى إسقاط الدولة دفعة واحدة، بل إلى إضعافها تدريجيا حتى تصبح منشغلة بذاتها.
بصدق، بدا هذا الحديث لافتا، لأنه يلامس روح الواقع الذي نعيشه اليوم، حيث تُدار الخلافات وتطفو المشكلات على السطح، في وقت يكاد فيه الانتباه ينصرف عن جوهر الصراع، بينما يواصل العدو الخارجي مراقبة الواقع الفلسطيني واستثمار حالاته الداخلية. فالتحولات الكبرى لا تعلن نفسها صراحة، بل تتسلل عبر تفاصيل يومية تبدو عابرة. ويتم تأجيج الصراعات أحيانا عبر خطاب التخوين، وأحيانا أخرى عبر توظيف مفاهيم التحليل والتحريم، بما يوسع دائرة الانقسام في الوعي العام. وحين تتحول السياسة إلى محكمة أخلاقية متبادلة، يتراجع النقاش الوطني العقلاني، وكلما ارتفعت نبرة الاتهام، انخفض منسوب التفكير الاستراتيجي.
نحن اليوم نعيش هنا في فلسطين ملامح حرب هجينة بكل تفاصيلها، حيث لم يعد الاستهداف مقتصرا على الجغرافيا، بل امتد إلى الوعي والرأي العام. فالمعركة على الإدراك قد تسبق المعركة على الأرض، وتؤثر في نتائجها قبل أن تبدأ. وما نشهده من انقسام، وتباين في الآراء، وتصاعد في خطاب التحريض، يشير إلى اختراق عميق للرأي العام الفلسطيني، وإلى مرحلة تُدار فيها الوقائع الناتجة عن الخلافات والانقسامات بدلا من معالجتها. وسائل التواصل الاجتماعي خير دليل على هذا الواقع المرير الذي يشهد التراشق العفن في الوسط الفلسطيني.
لقد كانت هناك قضايا مركزية شكّلت عبر التاريخ حصنا داخليا للشعب الفلسطيني، وفي مقدمتها إنهاء الاحتلال، والاستقلال، وإقامة الدولة الفلسطينية. غير أن توجهات سياسية جديدة طرأت بعد الانتخابات التشريعية عام 2006، أدت إلى انحراف البوصلة عن القضايا الجوهرية في لحظة المواجهة، خاصة مع حصول الانقسام، ومن ثم الولوج في مرحلة مختلفة مع بروز ما يسمى بمحور الممانعة وامتداداته الإقليمية. وقد أفسح ذلك المجال لتفاقم الانقسام وتوسّع الخلاف، حتى بات الرأي العام يتأرجح تحت تأثير منابر تصنّف الناس بين الخيانة من جهة، والحلال والحرام من جهة أخرى، بما يشتت البوصلة الوطنية. فالاستقطاب الحاد لا ينتج وضوحا، بل يعمق الضباب.
إن عدم إعادة التركيز على جوهر الصراع يبقي الباب مفتوحا أمام مزيد من الضغوط السياسية والمعنوية، ويجعل استعادة المبادرة أمرا بالغ الصعوبة. وفي ظل ذلك، تتقدم سياسات تنقل الحالة الفلسطينية إلى مراحل أكثر تعقيدا من التيه والشتات، عبر إجراءات واقعية تمس قضايا جوهرية، مثل ملف اللاجئين، وتقليص دور مؤسسات دولية كالأونروا، وغيرها من الخطوات التي تعيد تشكيل الواقع تدريجيا.
والأخطر من ذلك هو محاولة نقل الصراع إلى إطار ديني صرف، لأن إعادة توصيف الصراع أخطر من إدارته، إذ إنها تعيد ترتيب التحالفات والاصطفافات الدولية. فعندما يتغير تعريف المعركة، يتغير موقع القضية في الوعي العالمي. وقد ظهر ذلك بوضوح في الخطاب الذي أعقب السابع من أكتوبر، حين جرى تقديم الحرب بوصفها معركة وجود وبقاء، الأمر الذي استدعى اصطفافات دولية واسعة دعما لإسرائيل، وغطّى على حجم التدمير الواسع في قطاع غزة، وتشديد القبضة على الضفة الغربية.
وفي هذا السياق، تبرز ملامح تشكّل تحالفات دولية تحت عناوين محاربة “التطرف”، بما قد يفتح الباب أمام إعادة صياغة أولويات الصراع في المنطقة بطرق تحمل انعكاسات عميقة على القضية الفلسطينية. وهنا تكمن خطورة التحولات الراهنة، إذ لا تقتصر التحديات على حجم الضغوط الخارجية، بل تمتد إلى قدرة الصراعات الداخلية على استنزاف المجتمع وإرباك أولوياته، بحيث تتراجع القضايا الجوهرية لصالح سجالات فرعية متصاعدة.
وفي الحالة الفلسطينية تحديدا، لم يعد الحفاظ على التماسك الداخلي مسألة سياسية فحسب، بل ضرورة وجودية في ظل بيئة إقليمية ودولية معقدة تسعى إلى إعادة توصيف الصراع وترتيب أولوياته. فكلما تراجع التركيز على الثوابت الوطنية، اتسعت مساحات الضياع في الوعي العام، وتقدمت سياسات الأمر الواقع بهدوء على الأرض. لذلك، فإن استعادة الوضوح في تعريف جوهر الصراع، وتعزيز السلم الأهلي، وضبط الخطاب الداخلي، تمثل ركائز أساسية لحماية الوعي الجمعي من التآكل، ومنع تحويل الخلافات الطبيعية إلى مسارات استنزاف طويلة. فالقضايا الكبرى لا تنهك فقط بفعل المواجهات المباشرة، بل قد تُستنزف تدريجيا حين يُعاد توجيه الصراع إلى داخلها، حيث يصبح الانقسام بديلا عن التماسك، والضجيج بديلا عن البوصلة.

تعليقات
إرسال تعليق