حين يُعاد توصيف الصراع: من الاحتلال إلى خطاب محاربة التطرف الديني.
حين يُعاد توصيف الصراع: من الاحتلال إلى خطاب محاربة التطرف الديني.
قراءة في تصريحات نتنياهو تشكيل حلف دولي لمواجهة التطرف الاسلامي السني والشيعي.
بقلم مروان سلطان – فلسطين 🇵🇸
27.2.2026
———————————————————
جعل الشرق الأوسط، ومنه العالم أجمع، في دوامة لا نهاية لها، سياسة إسرائيلية متقنة الإعداد والإخراج، تُبقي المنطقة والعالم في موجات متلاحقة من التصعيد، لا تنتهي في الشرق الأوسط ولا في غيره من مناطق العالم. فما إن يبدأ حربا في مكان ما، حتى يعد العدة لحرب أخرى، في إطار سياسة الجبهات المفتوحة، والحساب الذي لا ينتهي.
تصريح نتنياهو الأخير، الذي يقول فيه إنه بصدد تشكيل حلف دولي لمواجهة ما يسميه التطرف الإسلامي السني والشيعي، يأتي في وقت يتجاهل فيه ما يراه العالم بأسره من تصاعد في خطاب وممارسات التطرف اليميني اليهودي داخل إسرائيل، مع ولوج الحزب اليميني المتطرف إلى الحكم بزعامة نتنياهو. لقد بلغ هذا التطرف مرحلة متقدمة من العنف، في ظل غطاء سياسي واضح، وما ظهر منه لم يكن سوى إعادة تأهيل لمجموعات تمارس أعمال العنف في فلسطين، ضمن بيئة رسمية لا تبدي اعتراضا حقيقيا على تمدده.
يبدو أن هذا المصطلح يخدم سياسة نتنياهو في المرحلة القادمة، التي يعد لها العدة للتوسع في حدود إسرائيل، ابتداء من ضم الضفة الغربية، وربما غزة أيضا، وبناء المزيد من المستوطنات. إذ يسعى إلى ربط الصراع القائم بأنه حرب على التطرف الديني، لا صراع مرتبط بإنهاء الاحتلال. وتحت مظلة محاربة التطرف السني في الضفة الغربية وغزة، ومع إشعال جبهات أخرى يحضر فيها البعد الشيعي، يندرج ذلك في إطار أوسع يسهل تسويقه كتحالف دولي ضد تهديد مشترك.
ومن هنا فإن نتنياهو ينقل ثقل الصراع الذي تحمله القضية الفلسطينية إلى ساحة أخرى تذوب فيها ملامحها السياسية، ليصبح الاحتلال تفصيلا داخل سردية حرب أوسع ضد ما يُسمى التطرف الديني. وبهذا الانتقال، يتحول الصراع من كونه قضية تتعلق بالأرض والحقوق الوطنية، إلى مواجهة أمنية ذات طابع عقائدي، فتتبدل زاوية النظر الدولية من إنهاء الاحتلال إلى إدارة تهديد عابر للحدود.
وفي البعد الاستراتيجي الأوسع، لا يقف هذا الخطاب عند حدود توصيف الخصم، بل يتجاوز ذلك إلى إعادة هندسة أولويات الإقليم. فحين يُعاد تعريف الصراع على أنه مواجهة شاملة مع “تطرف ديني” عابر للحدود، تتراجع مركزية القضية الفلسطينية تدريجيا في الأجندات الدولية والإقليمية، لصالح مقاربات أمنية ترى في الاستقرار أولوية تتقدم على إنهاء الاحتلال.
وبهذا التحول في السردية، يصبح إدماج إسرائيل في ترتيبات أمنية إقليمية أمرا أكثر قابلية للتسويق سياسيا، باعتبارها طرفا في مواجهة تهديد مشترك، لا طرفا في صراع على أرض محتلة. كما يتيح ذلك خلق مساحات تلاقي مع قوى دولية تنظر إلى المنطقة من زاوية المخاطر الأمنية، لا من زاوية الحقوق السياسية للشعوب.
ومن زاوية أخرى، فإن توسيع مفهوم “التهديد” ليشمل أبعادا سنية وشيعية في آن واحد، يعيد تشكيل بيئة الإدراك الدولي للصراع، بحيث تتحول فلسطين من قضية تحرر وطني إلى ملف ضمن منظومة صراعات إقليمية معقدة، وهو ما يخفف من الضغط السياسي والقانوني المرتبط بملفات الاحتلال والاستيطان والضم التدريجي في الضفة الغربية.
كما يستغل نتنياهو الظرف القائم مع إيران لتوحيد مصدر التهديد في خطاب واحد، خاصة أن المحور الإيراني الممتد من غزة إلى اليمن يشكل مصدر قلق للدول الغربية. وهذا بدوره يسهل تمرير سياسات التوسع وتعزيز النفوذ العابر للحدود ضمن سياق أمني أوسع.
أما داخليا، فإن نتنياهو يصدر أزمته السياسية إلى الخارج عبر خلق تهديدات متجددة تُقدَّم بوصفها أخطارا وجودية. فالفزاعات الدولية شكلت، تاريخيا، مظلة سياسية للهروب من استحقاقات داخلية، سواء كانت قضائية أو حزبية، ولتعزيز صورة القيادة بوصفها الحارس الأول لأمن الدولة والمجتمع.
في المحصلة، لا يبدو خطاب “التحالف ضد التطرف” مجرد توصيف أمني عابر، بل محاولة لإعادة صياغة طبيعة الصراع في الوعي الدولي. فكلما جرى تقديم المشهد باعتباره مواجهة مع تهديد ديني واسع، تراجعت حقيقة كونه صراعا مرتبطا بالاحتلال والسيطرة على الأرض والإنسان.
وعند هذه النقطة تحديدا، لا تُمحى الوقائع على الأرض بقدر ما يُعاد تأطيرها سياسيا، بحيث تصبح إجراءات الضم والتوسع والاستيطان جزءا من سياق أمني أشمل، لا موضوع مساءلة سياسية وقانونية. وهنا يتحول الصراع من قضية تحرر واضحة المعالم إلى ملف يذوب داخل خرائط التهديد الإقليمي، وهو تحول يراهن عليه نتنياهو لإعادة ضبط الإدراك الدولي، أكثر مما يراهن على تغيير الحقائق الميدانية نفسها.

تعليقات
إرسال تعليق