صمود الوعي الفلسطيني في مواجهة سياسات الاقتلاع والضم الصامت والتهجير

صمود الوعي الفلسطيني في مواجهة سياسات الاقتلاع والضم الصامت والتهجير


بقلم مروان سلطان.               فلسطين 🇵🇸

18.2.2026

——————————————————

لم تهدأ توجهات الاحتلال وسياساته يوما في اقتلاع الفلسطينيين من ارضهم، واحلال المستوطنين الاسرائيليين مكانهم. بل ان وتيرة تلك السياسات تصاعدت بشكل متدحرج  واضح عبر العديد من المحطات الزمنية، حيث سارت عملية التهجير والتوطين في الاراضي الفلسطينية بهدوء امام مرأى العالم وصمته. فاقامة المستوطنات، والتوسع التدريجي لها عبر الزمن، جاءت على حساب المواطن الفلسطيني والارض الفلسطينية، حتى استولى الاحتلال على مساحات واسعة من الاراضي واقام عليها مشاريعه الاستيطانية.


هذه السياسات والاجراءات التي جرت على حساب الفلسطينيين مست التوزيع الديموغرافي، واضعفت الواقع الزراعي والاقتصادي، وقيّدت النمو الطبيعي للسكان، في سياق يستهدف تفريغ الارض وفرض حقائق جديدة على الارض خالية من الفلسطينيين، في ظل تغول متواصل في الضم الصامت للضفة الغربية. وقد فاقم ذلك من معاناة الفلسطينيين باشكال متعددة، من اللجوء وتقييد اماكن الوجود، الى تقليص المساحات الزراعية والرعوية، ومنع البناء ورفض التراخيص لاقامة اية منشآت، وهدم ما يقام بحجة عدم الحصول على اذن من سلطات الاحتلال.


ادوات الاحتلال واسعة ومتعددة في تقليص الوجود الفلسطيني، والاهم من ذلك ارهاق المجتمع الفلسطيني عبر اجراءات معقدة ومكلفة، لا يقوى كثيرون على تحمل تبعاتها، سواء من خلال الغرامات الباهظة، او المحاكم ذات التكاليف العالية، او اعلان مناطق للتدريب العسكري، او اقامة منشآت عسكرية تتحول لاحقا الى بؤر استيطانية، تنفذ في الغالب بمساندة الجيش الاسرائيلي، وبمشاركة المستوطنين الذين يطلق عليهم ما يسمى “شبان التلال”.


كما يتعرض الواقع السياسي الفلسطيني لضغوط اسرائيلية هائلة، نتيجة تراكم السياسات الاسرائيلية في الاراضي الفلسطينية وضد الشعب الفلسطيني، الامر الذي يرهق كاهله في حياته اليومية، ويضع نتائج هذه السياسات فوق كاهل الادارة السياسية الفلسطينية، التي عملت اسرائيل، وما زالت، على تقويضها في مختلف الاتجاهات. ولهذه الاسباب، لم يتح للواقع السياسي الفلسطيني ان ينمو في بيئة طبيعية تتيح له اخذ دوره في ادارة الشأن العام. فقد سعت اسرائيل، بشكل منهجي، الى تقويض النظام السياسي الفلسطينيي، ومحاولة ايجاد اجسام تخدم توجهاتها في ادارة الحكم، وقد تكون نجحت في بعض المواقع، واخفق سعيها في مواقع اخرى، فيما تبقى الساحة الميدانية المؤشر الاوضح على ذلك التباين. فبعض الساحات تشكل منارات صمود، وفي مواضع اخرى تظهر اختلالات داخلية تلاحقها الجهات المختصة.


ورغم كل هذه الثغرات والمضايقات والسياسات المناوئة، لا يمكن لهذه الضغوط ان تهزم الشعب الفلسطيني، فجذوره الضاربة في التاريخ عصية على الانكسار، ولا يمكن لها ان ترفع الراية البيضاء امام هذه الهجمة المتصاعدة. انها معركة وعي للشعوب، ووعي الشعب الفلسطيني يشكل اليوم احد اهم ابرز العوامل الصمود، في مواجهة السياسات التي يمثلها قادة اليمين الاسرائيلي المتشدد، امثال سموتريتش وبن غفير وغيرهما.


وعليه، فان ما يجري في الاراضي الفلسطينية لا يمكن قراءته كاجراءات متفرقة او ضغوط ظرفية، بل كسياسة تراكمية تهدف الى اعادة تشكيل الواقع الديموغرافي والجغرافي بهدوء محسوب، يراهن على عامل الزمن واستنزاف القدرة على الصمود. غير ان التجربة التاريخية تشير الى ان محاولات تفريغ الارض لم تنجح في كسر الوعي الجمعي الفلسطيني، الذي ظل عاملا ثابتا في معادلة البقاء، رغم تعقيدات المشهد السياسي والضغوط الميدانية المتصاعدة.


ان معركة الوجود لم تعد تقتصر على الارض فقط، بل امتدت الى معركة وعي وصمود مجتمعي في مواجهة سياسات الامر الواقع. وفي هذا السياق، يشكل ترابط المجتمع الفلسطيني مع محيطه العربي، واستعادة الحضور السياسي والحقوقي على المستوى الدولي، عناصر اساسية في الحد من تغول السياسات الاسرائيلية، التي تكشف مساراتها المتدرجة عن سعي دائم لفرض واقع جديد قد يصعب تغييره مستقبلا.


وبين تصاعد الضغوط واتساع سياسات الاستنزاف، يبقى الوعي الفلسطيني، بما يحمله من ادراك لطبيعة المرحلة وحدود التحديات، احد اهم ركائز الصمود، والعامل الاكثر قدرة على احباط رهانات التآكل البطيء للوجود الفلسطيني على ارضه، ووطنه.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الرئيس ابو مازن كال الصاع صاعين لنتنياهو في محاولة منعه زيارة سوريا ، والزيارة تمت وفق الوقت والاهداف المرسومة. بقلم مروان سلطان. فلسطين 🇵🇸

ليس تبريرا ولكن حزنا وكمدا على غزة واهلها كانت كلمات الرئيس عباس الى حماس بفلم الكاتب مروان سلطان. فلسطين 🇵🇸

كيف يواجه الفلسطيني محو الهوية؟ : استراتيجية البقاء الفلسطيني.