الضم التدريجي للضفة الغربية: بين الخطاب الأمريكي والوقائع الميدانية
الضم التدريجي للضفة الغربية: بين الخطاب الأمريكي والوقائع الميدانية
قراءة في تباين التصريحات الدولية مع التحولات الجارية على الأرض الفلسطينية
بقلم مروان سلطان. فلسطين. 🇵🇸
16.2.2026
——————————————————-
يحاول البيت الأبيض، عبثا، إقناع الفلسطينيين والعالم العربي والإسلامي بأن ضم الضفة الغربية غير وارد، وأن إسرائيل لن تقدم على ضمها، بينما كل ما يجري على الأرض من إجراءات وقرارات يترجم أن عملية الضم تمضي بلا هوادة. فالمسألة لم تعد مرتبطة بإعلان سياسي صريح بقدر ما ترتبط بوقائع ميدانية تتراكم يوميا وتعيد تشكيل الجغرافيا والقانون والواقع الديمغرافي. انها مرحلة الضم الصامت ، حتى حين.
إن الضم في الحالة الإسرائيلية لا يُطرح بالضرورة كقرار مفاجئ وشامل، بل يجري عبر مسار تدريجي يقوم على توسيع المستوطنات، وفرض وقائع إدارية وقانونية جديدة، وتشديد القيود على الأرض والسكان، بما يحول السيطرة الفعلية إلى واقع دائم يسبق أي إعلان رسمي. وبهذا المعنى، يصبح الحديث عن “عدم الضم” خطابا سياسيا، بينما يجري تثبيت الضم فعليا على الأرض.
ما الأسباب التي تدفع الإدارة الأمريكية إلى تبني خطاب التهدئة حول هذا الموضوع؟ يصعب فهم ذلك بمعزل عن طبيعة التحالف الاستراتيجي مع إسرائيل، حيث تُقرأ التصريحات السياسية في كثير من الأحيان كأدوات لإدارة ردود الفعل الدولية، لا كتعهدات ملزمة بتغيير المسار. خاصة في ظل القرارات التي تبنتها الحكومة الإسرائيلية، والحصار المفروض على السكان، وعربدة المستوطنين، وتسارع البناء الاستيطاني، وإجراءات الاحتلال التي تتسع دون سقف واضح. هنا مع الاسف عندما يتعلق الامر باسرائيل تخاط الملابس على مقاسها.
الولايات المتحدة وإسرائيل، ومعهما عدد من الدول الغربية، يدركون بدقة ما يجري على الأرض في فلسطين، لكن المصالح الاستراتيجية تبقى العامل الحاسم في صياغة المواقف. فالسياسات الدولية لا تُدار وفق معايير العدالة بقدر ما تُدار وفق موازين القوة والمصالح. وفي الحالة الفلسطينية، يظهر هذا التناقض بين الخطاب السياسي الداعي إلى “حلول سياسية” وبين الوقائع التي تذهب في اتجاه تكريس السيطرة طويلة الأمد على الأرض.
كما أن ما يُتداول سياسيا حول صيغ جديدة لصفقة القرن، أو ما يمكن تسميته بترتيبات سياسية مرحلية، يتقاطع مع خطط اليمين الإسرائيلي التي تسعى إلى الحسم التدريجي في الضفة الغربية، عبر تقطيع الجغرافيا الفلسطينية، وعزل التجمعات السكانية، وإضعاف البنية الاقتصادية والاجتماعية، بما يؤدي في النهاية إلى واقع سياسي يصعب التراجع عنه.
خذ مثلا ما جرى منذ وقف إطلاق النار في غزة؛ إذ عمل الاحتلال منذ اللحظة الأولى على خلق ذرائع سياسية وأمنية تتيح له مواصلة سياساته الاستراتيجية، التي تقوم في جوهرها على إعادة تشكيل الواقع السكاني والجغرافي. ورغم المآسي والأهوال وعمليات القتل اليومية، ما زال صمود السكان يشكل عاملا معرقلا لمشاريع التهجير وإعادة الهندسة الديمغرافية.
كما أن تعطيل عمل " لجنة غزة" المختصة بإدارة الشأن الإنساني وإعادة الإعمار، التي اقرها الرئيس ترامب والوسطاء ومنعها من دخول غزة الى الان لممارسة مهامها بشكل فعلي، يعكس نمطا من إدارة الأزمة لا يهدف إلى الحل بقدر ما يهدف إلى إبقاء الواقع الإنساني تحت الضغط، في ظل مراقبة دولية تدرك ما يجري دون أن تمارس ضغطا يوازي حجم الأحداث.
في هذا السياق، تبدو السياسات الأمريكية وكأنها تُفصّل بما ينسجم مع الرؤية الإسرائيلية، حيث يتقاطع البعد السياسي مع البعد الاستراتيجي في إدارة الصراع، بينما يمضي الواقع الميداني في قضم الأرض الفلسطينية تدريجيا، عبر أدوات سياسية، قانونية، وأمنية، واستيطانية متكاملة.
هنا، في ما يمكن وصفه بالمطبخ السياسي الدولي، تُعد السياسات وفق أولويات التحالفات لا وفق متطلبات العدالة، ويُطلب من الواقع أن يتكيف مع النتائج المفروضة عليه.
ومع ذلك، فإن هذه الحالة ليست الأولى في تاريخ الصراعات، فالشعوب لا تنال حقوقها عبر الوعود السياسية، بل عبر صمودها الطويل وتمسكها بثوابتها الوطنية، في ظل إدراك عميق لطبيعة التحولات التي تجري على الأرض، وطبيعة الصراع الذي لم يعد صراعا على إدارة الأزمة فحسب، بل على شكل المستقبل السياسي والجغرافي لفلسطين.

تعليقات
إرسال تعليق