نتائج الحروب : الفصل الاخير في اعادة رسم المنطقة.

 نتائج الحروب :  الفصل الاخير في اعادة رسم المنطقة.

      "حين تنتهي الحروب تبد الجغرافيا من جديد"



بقلم: مروان سلطان – فلسطين 🇵🇸

12.3.2026

——————————————————

في تاريخ الصراعات بين الدول، لم تكن الحروب مجرد مواجهات عسكرية عابرة، بل كانت في كثير من الأحيان لحظات فاصلة يعاد فيها تشكيل الجغرافيا السياسية، وتُرسم من خلالها خرائط النفوذ والديموغرافيا من جديد . فهندسة الجغرافيا هي إفرازات صراعات وحروب، وما ينتج عن أي حرب هو إعادة صياغة للمكان وتغيير في معالم الديموغرافيا. أثناء الحروب تثير الأدوات العسكرية فضول الكثيرين، وخاصة عندما يشاهدون مواقع تأثرت بالفعاليات العسكرية بين الأطراف المتحاربة، وما نتج عنها من دمار وخراب وتدمير.  ولعل التاريخ الحديث يقدم نماذج واضحة على ذلك، فالحربان العالميتان أعادتا رسم خرائط أوروبا والشرق الأوسط، كما أعادت حروب المنطقة تشكيل موازين القوى وحدود النفوذ بين الدول. في مثل هذه الحروب لا يقتصر الأمر على مواجهة عسكرية بين أطراف متحاربة، بل قد تتحول الحرب إلى ما يشبه لحظة انتقال في بنية النظام الإقليمي نفسه، حيث تتراجع أدوار قوى وتبرز أدوار قوى أخرى، وتُعاد صياغة حدود النفوذ والتأثير في المنطقة.


وفي حالتنا هنا، في فلسطين، ترتسم حالة من البهجة لدى البعض تأثرا بوصول دفعات من الصواريخ الإيرانية إلى أجزاء واسعة من الأراضي المحتلة، وذلك بسبب السياسات الإسرائيلية التي سببت كثيرا من المضايقات للشعب الفلسطيني من قتل وتدمير، والاستيلاء على الأملاك، وتهجير… إلى غير ذلك من الإجراءات.  لكن أثناء الحرب، ومدتها، وأدواتها، وفعالياتها، ليست هي ما يصنع السياسة في النهاية؛ إنما العبرة في النتائج.


نحن أمام فصل جديد في منطقة الشرق الأوسط، وقد تغير نتائج هذه الحرب الدائرة شكل المنطقة لعقود قادمة. فإفرازات الحرب الدائرة الآن بين إيران من جهة، وأمريكا وإسرائيل بشكل مباشر من جهة أخرى، من المؤكد أنها ستساهم في إعادة هندسة المنطقة، من إيران شرقا مرورا بالخليج العربي وما يسمى بالشرق الأدنى، وصولا إلى المحيط الأطلسي غربا، وذلك في حالة الهزيمة أو النصر لأي من الأطراف المتحاربة. وفي العادة، لا تقف الحروب الكبرى عند حدود المواجهة العسكرية المباشرة، بل تتحول إلى لحظة مفصلية في إعادة ترتيب موازين القوى في النظام الإقليمي. فكل حرب من هذا النوع تفتح المجال أمام صعود قوى وتراجع أخرى، وتعيد تعريف حدود النفوذ والدور السياسي للدول الفاعلة في المنطقة.


هزيمة إسرائيل وأمريكا ستكون لها انعكاسات كبيرة، أولا على الوضع السياسي لحكومة نتنياهو الذي أراد هذه الحرب ليبقى على سدة الحكم. أما أثرها على الولايات المتحدة فسيكون كبيرا من الناحية الاقتصادية، وقد يعجل بسقوط الحزب الجمهوري وإخراج الرئيس ترامب من حلبة السياسة، إضافة إلى انعكاسات سياسية واقتصادية أخرى على حلفاء أمريكا وإسرائيل. وستكون هناك انعكاسات على الدور الايراني في الهيمنة والسيطرة في منطقة الخليج تحديدا وسيبرز دور ايران الاقليمي كقوة حاضرة في المنطقة.


أما إذا انتصرت أمريكا وإسرائيل على إيران، فإن النفوذ الإسرائيلي سيكون سيد الموقف في الميدان الإقليمي على الساحة الشرق أوسطية. وستصبح إسرائيل اللاعب الأكبر في شؤون الدول الخليجية تحديدا، وباقي المنطقة عموما، لتتحول إلى ما يشبه شرطي المنطقة، وهو ما ستكون له انعكاسات إيجابية على اليمين الإسرائيلي الاستيطاني في المنطقة. وهنا ستتحقق رؤية نتنياهو واليمين الاسرائيلي في شرق اوسط جديد.


في العادة، لا تنتظر إسرائيل انتهاء الأزمات، التي هي في كثير من الأحيان صناعة إسرائيلية بامتياز، إذ تعمل على استغلال انشغال العالم بأحداث كبرى، لتنقض على فريستها وتنفذ سياساتها في المنطقة. وما زالت هناك أهداف تعمل عليها في غزة والضفة الغربية، من التهجير والضم الصامت، في محاولة لتغيير الديموغرافيا في ظل الحروب. وقد ظهر هذا النمط مرارا في سلوك الحكومات الإسرائيلية، حيث تستغل لحظات التحولات الإقليمية أو انشغال المجتمع الدولي بأزمات كبرى لفرض وقائع جديدة على الأرض، سواء عبر توسيع الاستيطان أو تسريع سياسات الضم في الضفة الغربية. والامثلة جلية وواضحة مع كل حرب تمت منذ سنة 1948 والى الان.


في المحصلة، الحروب لا تُقاس بضجيج السلاح ولا بحجم الدمار الذي تتركه خلفها، بل بالنتائج التي تفرضها على خرائط السياسة والجغرافيا. فالتاريخ يثبت أن نهاية كل حرب تفتح الباب أمام ترتيب جديد لموازين القوى، يعاد فيه تعريف النفوذ وحدود التأثير.


أما فلسطين، فرغم كل ما يحيط بها من تحولات وصراعات كبرى، تبقى قضية تتجاوز نتائج الحروب الآنية. قد تتأثر مرحليا بتداعياتها، وقد تمر بمنعطفات صعبة، لكن التجربة التاريخية تشير إلى أن القضية الفلسطينية ظلت قادرة على إعادة إنتاج حضورها السياسي والوطني، لتبقى جزءا حيا من معادلات المنطقة ومستقبلها.



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الرئيس ابو مازن كال الصاع صاعين لنتنياهو في محاولة منعه زيارة سوريا ، والزيارة تمت وفق الوقت والاهداف المرسومة. بقلم مروان سلطان. فلسطين 🇵🇸

ليس تبريرا ولكن حزنا وكمدا على غزة واهلها كانت كلمات الرئيس عباس الى حماس بفلم الكاتب مروان سلطان. فلسطين 🇵🇸

كيف يواجه الفلسطيني محو الهوية؟ : استراتيجية البقاء الفلسطيني.