الأقصى في ظلال الحرب: استهداف الحريات الدينية في القدس

الأقصى في ظلال الحرب: استهداف الحريات الدينية في القدس


بقلم: مروان سلطان – فلسطين

14 مارس 2026

————————————————-


في أزمنة الحروب، لا تكون الجبهات العسكرية وحدها ساحة الصراع، بل تمتد المواجهة أحياناً إلى المجال الروحي والثقافي للشعوب، حيث تصبح دور العبادة وحرية الوصول إليها جزءاً من معركة الإرادة والهوية.


اكتسبت فلسطين مكانتها الروحية المركزية من وجود المسجد الأقصى المبارك؛ أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، ومسرى الرسول محمد ﷺ، وموطن الأنبياء الكرام أولي العزم الذين حملوا الرسالات السماوية في هذه الأرض المباركة. لقد سجل التاريخ حالات معدودة أُغلقت فيها المساجد في فلسطين أو انتهكت فيها حرمة دور العبادة، وخاصة المسجد الأقصى في شهر رمضان، إلا أن الاحتلال الإسرائيلي يسعى اليوم لتكريس سابقة لم تعرفها المنطقة من قبل.


فلسطين التي عُرفت بمقدساتها، وذكرها الله عز وجل في كتابه العزيز مشيراً إلى قدسية المسجد الأقصى في قصة الإسراء والمعراج، تواجه اليوم مخططات صهيونية تستغل ظلال الحرب الدائرة لفرض وقائع تهويدية مستمرة في المسجد الأقصى وباحاته، فيما يمثل استفزازاً صارخاً لمشاعر المسلمين في كل العالم ولمكانة عقيدتهم.


إن العبث بالمقدسات ليس مجرد تصرف فردي طائش، بل هو في العرف السياسي “فتيل أزمات” يهدد السلم الأهلي والدولي. وكلنا يذكر كيف أدى اقتحام “أرئيل شارون” للمسجد الأقصى عام 2000 إلى اندلاع انتفاضة كبرى، مما يؤكد حساسية الموقف وتداعيات المساس بالرموز الدينية. وهنا يمكن القول إن ما يجري اليوم يمثل شهادة زمنية توثق مرحلة جديدة من الصراع على هوية القدس ومقدساتها.


ومن جهة أخرى، فإن محاولة فرض جداول زمنية مقتطعة وتخصيص مساحات جغرافية للمستوطنين تحت حماية القوة العسكرية، تعني أن سلطات الاحتلال تمارس نوعاً من الفصل العنصري الديني الذي يتجاوز القوانين الدولية ويوجه طعنة نافذة للمواثيق العالمية لحقوق الإنسان. إن هذا الإصرار على استباحة المقدسات في ظل انشغال العالم بالحروب لا يمثل انتهاكاً للسيادة الروحية للفلسطينيين فحسب، بل هو تلاعب خطير بفتيل “صراع صفري”، يحول النزاع السياسي إلى مواجهة دينية مفتوحة العواقب، تضع الأمن والسلم الدوليين على حافة الهاوية.


لقد باتت سياسة التضييق الممنهج على وصول المصلين إلى المسجد الأقصى ودور العبادة في الأراضي الفلسطينية نهجاً ثابتاً للاحتلال. ورغم أن دور العبادة هي أماكن محمية بموجب التفاهمات الدولية والقانون الدولي الإنساني، إلا أن الاحتلال يصر على تحويلها إلى ثكنات عسكرية يحاصرها الجند والشرطة، مما يصادر حرية العبادة في القدس والخليل عبر منع الصلاة أو تقييد أعداد المصلين، فضلاً عن المظهر العسكري المستفز الذي يفرغ العبادة من روحها وطمأنينتها.


ولم يقتصر هذا “العنف الثقافي” على المسلمين فحسب، بل امتد ليشمل المسيحيين الفلسطينيين عبر حرمانهم من الوصول إلى كنائسهم، ولا سيما كنيسة القيامة، للاحتفال بالأعياد والمناسبات الدينية. وفي هذا السياق لا يمكن نسيان الجريمة البشعة المتمثلة في تدمير الكنيسة المعمدانية خلال الحرب على غزة، حيث استشهد العشرات ممن لجؤوا إليها ظناً منهم أن دور العبادة مناطق آمنة يحرم المساس بها.


إن ما يحدث اليوم لم يعد مجرد حوادث عابرة أو احتكاكات أمنية، بل هو استراتيجية لفرض “التقسيم الزماني والمكاني” وتقويض الوضع القانوني والتاريخي القائم (Status Quo). إنها محاولة لتحويل الحرم القدسي من فضاء روحي إلى ساحة للاستعمار الإحلالي، ضمن سياسة فصل عنصري تمنح كامل الحرية لليهود في ممارسة طقوسهم في أي مكان، بينما تُخنق أصحاب الأرض ويُمنعون من ممارسة أبسط حقوقهم الإنسانية في دور عبادتهم التاريخية.


 قد ينجح الاحتلال في فرض حصار عسكري على مآذن الأقصى وأجراس كنيسة القيامة، وقد يفلح في تقييد أجساد المصلين ومنع وصولهم، لكنه سيفشل حتماً في كسر الرابطة الروحية والتاريخية التي تجمع الفلسطيني بأرضه ومقدساته، والتي تسجل حضورها في الحقول والساحات والباحات حول المسجد الأقصى. إن محاولات التقسيم الزماني والمكاني ليست إلا وهماً يرتطم بصخرة الصمود الشعبي. ستبقى القدس، بمساجدها وكنائسها، عصية على التهويد وشاهدة على أن الحقوق الدينية والوطنية لا تسقط بالتقادم، وأن إرادة الشعوب في التحرر والعبادة أقوى من ترسانة المحتل وجبروته.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الرئيس ابو مازن كال الصاع صاعين لنتنياهو في محاولة منعه زيارة سوريا ، والزيارة تمت وفق الوقت والاهداف المرسومة. بقلم مروان سلطان. فلسطين 🇵🇸

ليس تبريرا ولكن حزنا وكمدا على غزة واهلها كانت كلمات الرئيس عباس الى حماس بفلم الكاتب مروان سلطان. فلسطين 🇵🇸

كيف يواجه الفلسطيني محو الهوية؟ : استراتيجية البقاء الفلسطيني.