خلف كواليس السابع من اكتوبر : توظيف الحدث لهندسة الشرق الأوسط الجديد

 خلف كواليس السابع من اكتوبر : توظيف الحدث لهندسة الشرق الأوسط الجديد

بقلم : مروان سلطان.        فلسطين 🇵🇸 

14.9.2026

———————————————


التغطيات الإعلامية التي تضخم التحذيرات الإقليمية قبل أحداث السابع من أكتوبر ومنها التحذير الإماراتي تطرح تساؤلا جوهريا حول الهدف من تسليط الضوء على هذه الجزئية تحديداً. فالاختزال السطحي للحدث انه مجرد "تحذير لم يلتفت إليه" بمعنى التقصير في المهام والمسؤوليات ،  يتجاهل فهم  البنية الاستراتيجية للائتلاف الإسرائيلي الحاكم ، وتفاهم مع الدولة العميقة في اسرائيل، والذي يضع نصب عينيه مشروعا أوسع لإعادة تشكيل "الشرق الأوسط الجديد"؛ وهو مشروع يحتاج بالضرورة إلى حدث مفصلي تستغل تداعياته لتغيير الخارطة الإقليمية، بمعنى انه فخ نصبته اسرائيل لتوظيف تداعيات الحدث.


البديهية التي تفرض نفسها في معادلة الأمن الإسرائيلي هو: إن الجيش الإسرائيلي ومنظومته الأمنية يمثلان "منظومة لها دولة"، على عكس باقي دول العالم التي يكون فيها الجيش والأمن مجرد أركان للدولة. فالاستخبارات الإسرائيلية تعتبر من أقوى أجهزة الاستخبارات عالميا؛ فلديها الفروع والأقسام والوحدات التي تعمل على جلب المعلومات من أراض ودول صديقة وعدوة على حد سواء.


تتجلى هشاشة ادعاء "العمى الاستخباري" عند النظر إلى حجم الاستثمار التكنولوجي والعسكري الإسرائيلي؛ فقد أنفقت إسرائيل أموالا طائلة لبناء "الجدار الذكي" حول غزة المزود بأجهزة الاستشعار والرادارات والرشاشات المدارية الآلية، إلى جانب السيطرة السايبرانية المطلقة على شبكات الاتصالات والبنية التحتية للقطاع. كيف لمنظومة تتنصت على الهواتف الذكية عبر برمجيات مثل "بيغاسوس"، وتكشف الحركة تحت الأرض، أن تفشل دفعة واحدة في رصد تحركات ميدانية واسعة فوق الأرض؟!


العقيدة العسكرية الإسرائيلية قامت تاريخيا على استراتيجية في القيام بما يسمى "الضربة الاستباقية" وعدم انتظار الضربة الأولى إذا توافرت أدنى المؤشرات. الامتناع عن التحرك هنا يرجح فرضية "التغاضي التكتيكي" لتحقيق هدف جيوسياسي أكبر. أضف إلى ذلك التناقضات الصارخة داخل النخبة الحاكمة؛ فقد تجاهل نتنياهو عمدا تحذيرات شعبة الاستخبارات العسكرية (أمان) والشاباك في صيف 2023 حول تآكل الردع، بينما كان الوزراء في حكومة الائتلاف ينادون علنا بضرورة "حسم الصراع" بدلا من إدارته، وإعادة رسم الواقع الديمغرافي والجغرافي.


قبل السابع من أكتوبر، هيأت إسرائيل الظروف الحياتية للشعب الفلسطيني في خنق سبل الحياة ، وفقدان الامل عبر الحصار الصارم لقطاع غزة والضفة الغربية لخلق صيغة حتمية مواجهة حتمية. ولم يكن هذا  بعيدا عن التحركات الاقتصادية الكبرى؛ إذ إن إعادة ترتيب المنطقة ترتبط بتهيئة البيئة الأمنية لمشاريع الممرات التجارية والملاحية الدولية مثل "ممر الهند-الشرق الأوسط-أوروبا"، فضلا عن حسم السيطرة على حقول غاز شرق المتوسط ومنابع الطاقة.


إن طبيعة العمل في إسرائيل يخضع كله لـ "الأسوار الأمنية" وما يسمى بالأمن القومي الذي تشرف عليه المخابرات والدولة العميقة. وهذا المشروع الإقليمي يتطلب تفكيك المحور الإيراني، وإعادة إغلاق الملفات العالقة في المنطقة، والسيطرة على خطوط التجارة العالمية. ولتنفيذ هذه المهمة، كان من الضروري إشراك الولايات المتحدة عبر تشكيل غرفة عمليات مشتركة، استنادا إلى تصورات سياسية ظنت أن إسقاط أوراق القوة الإقليمية يمكن أن يحسم في غضون أيام أو أسابيع.


حين يصرح نتنياهو للإعلام بأنه "لم يوقظه أحد"، تناقضه تصرفات القيادة العسكرية نفسها؛ إذ تشير التسريبات المتعلقة برئيس الأركان إلى مغادرته بيته مبكرا وهو يتمتم ببدء عمليات واسعة ضد غزة، مما يعني ببساطة أن توقيت الحدث كان مكشوفا ويجري انتظاره لتوظيفه.


التنصل الراهن من المسؤوليات مع العلم المسبق بالهجوم قد تحسمه الوثائق والمذكرات بعد عقود، إلا أن الشواهد السياسية والعسكرية تشير بوضوح إلى سيناريو جرى استغلاله أو التغاضي عنه لهندسة الإقليم. ولئن أدى هذا التجاوز الزمني والتكلفة الباهظة إلى إنهاء الحقبة السياسية لنتنياهو وزمرته، فإن البديل القادم لن يحمل تغييرا جوهريا في العقيدة الأمنية والسياسات الحكومية، بل سيسعى إلى استعادة الهيبة المستهلكة واستكمال الترتيبات الإقليمية بوجوه جديدة، باستعمال القوة الناعمة.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يواجه الفلسطيني محو الهوية؟ : استراتيجية البقاء الفلسطيني.

النظام العالمي الجديد: رمال متحركة لا ثوابت فيها وعمادها المصالح

سفينة لا تنكسر: في وداع عام واستقبال وطن وشعب من الرماد يعود