كم من ديكٍ أحمق يظن أن الشمس تشرق بصياحه
كم من ديكٍ أحمق يظن أن الشمس تشرق بصياحه!
بقلم: مروان سلطان — فلسطين 🇵🇸
21.8.2026
———————————————
كم من ديكٍ أحمق يظن أن الشمس تشرق بصياحه!
هكذا هم المغرورون الذين يعتقدون أن العالم لا يتحرك إلا وفق ما يريدون، وأن الحقائق يمكن إلغاؤها بمجرد إنكارها، وأن إرادة الشعوب يمكن إخضاعها بالقوة إلى الأبد.
في قضيتنا الفلسطينية، يبدو أن هذه العقلية تتجسد بصورة واضحة في مواقف نتنياهو وسموتريتش وبن غفير ومنظومتهم السياسية والأيديولوجية، ويحاولون بكل ما اوتوا من قوة جر العالم الى ضبط المتاهة التي صنعوها للشعب الفلسطيني. إنهم لا يرون فلسطين كما هي، ولا الفلسطيني كما هو، ولا القضية الفلسطينية باعتبارها قضية شعب له تاريخ وأرض وحقوق وتطلعات وطنية؛ بل يريدون اختزال كل ذلك في مشكلة أمنية يمكن إخضاعها بالقوة، أو في مجموعة بشرية يمكن التحكم بها وإعادة تشكيل واقعها على الأرض. لكن التاريخ لا يُكتب بهذه الطريقة.
المشكلة ليست أنهم يجهلون الحقائق؛ فالحقيقة أمامهم واضحة. يعرفون أن الفلسطيني موجود، وأنه باقٍ على أرضه، وأن محاولات اقتلاعه وتهجيره وإضعاف وجوده لم تنجح في إلغاء هويته الوطنية. ويعرفون أيضاً أن القضية الفلسطينية لم تعد قضية يمكن دفنها تحت ركام الحروب ، والاسر أو خلف جدران الفصل أو تحت توسع المستوطنات.
ومع ذلك، يصرون على التعامل مع الوهم باعتباره حقيقة، وعلى التعامل مع القوة باعتبارها بديلاً عن السياسة، وعلى الاعتقاد بأن استمرار الاحتلال والاستيطان والقتل يمكن أن يمنع الفلسطيني إلى الأبد من الوصول إلى حقه في الحرية والاستقلال وإقامة دولته. وهنا تكمن المفارقة الكبرى ، إنكار الحقيقة لا يلغيها. فإطلاق الرصاص على الفلسطيني لا يلغي وجوده، وتوسيع المستوطنات لا يلغي حقه، وعربدة المستوطنين من اجل التغيير في الجغرافيا بالقوة لا يمحو التاريخ، وفرض الوقائع على الأرض لا يجعل الاحتلال شرعياً، مهما طال الزمن.
المشروع الاسرائيلي الاحتلالي الذي يواجهه الفلسطيني اليوم ليس مجرد احتلال عسكري تقليدي، وإنما محاولة سياسية وأيديولوجية لمنع تشكل المشروع الوطني الفلسطيني نفسه، عبر تفتيت الجغرافيا، والاستيلاء على الارض وتوسيع الاستيطان، وإضعاف الوجود الفلسطيني، وتحويل الضفة الغربية إلى مناطق منفصلة، وخلق واقع يجعل قيام الدولة الفلسطينية أمراً شديد الصعوبة إن لم يكن مستحيلاً من الناحية العملية. وهذا هو جوهر المعركة. القصة في محصلتها إنهم يريدون منع الفلسطيني من امتلاك المستقبل.
ولهذا فإن التصريحات الصادرة عن بعض رموز اليمين الإسرائيلي المتطرف ليست مجرد تصريحات منفلتة، بل تكشف أحياناً عن رؤية سياسية أوسع تقوم على إنكار الآخر الفلسطيني، ونزع إنسانيته، والتعامل معه باعتباره عقبة أمام مشروع سياسي واستيطاني.
وقد صدرت عن نتنياهو وبتسلئيل سموتريتش، وبن غافير ، وغيرهم من رموز اليمين الإسرائيلي، تصريحات شديدة التطرف بشأن الفلسطينيين والحرب في غزة، والمشروع الوطني الفلسطيني وصلت في بعض الحالات إلى الدعوة إلى قتل أعداد كبيرة من الفلسطينيين أو التشكيك في حقهم في الحياة. ومثل هذه اللغة، أياً كان سياقها السياسي، لا ينبغي التعامل معها باعتبارها مجرد عبارات عابرة، لأنها تكشف إلى أي مدى يمكن أن يصل الخطاب عندما تتحول الأيديولوجيا إلى أداة لنزع إنسانية الآخر. هذا عدى عن الشعار الذي يرفعه نتنياهو في حملته الانتخابية ان وجوده على سدة الحكم يمنع اقامة دولة فلسطينية.
لقد شهد العالم عبر تاريخه الحديث شعوباً كثيرة عاشت تحت الاحتلال والاستعمار، وظن المحتلون في لحظات مختلفة أنهم قادرون على تثبيت سيطرتهم إلى الأبد. لكن التاريخ أثبت أن الاحتلال مهما امتلك من قوة عسكرية لا يستطيع أن يضمن له الخلود.
من الهند إلى الجزائر، ومن جنوب أفريقيا إلى شعوب كثيرة خاضت نضالات طويلة من أجل التحرر، الشعار الوحيد لها: هو ان إرادة الشعوب تنتصر.
قد يستغرق التحرر سنوات أو عقوداً، وقد يدفع أصحابه ثمناً باهظاً، لكنه لا يصبح مستحيلاً لمجرد أن المحتل قرر أنه لا يريد حدوثه. وهذه هي الحقيقة التي تبدو إسرائيل الرسمية، وخصوصاً تيار اليمين المتطرف، غير مستعدة للتعامل معها.
الفلسطيني ليس طارئاً على هذه الأرض. وليس مجموعة سكانية يمكن إزاحتها من المشهد بقرار سياسي أو عسكري. وهو ليس تفصيلاً يمكن تجاوزه في أي ترتيبات إقليمية أو دولية. الفلسطيني هو صاحب قضية وطنية، وله شعب وأرض وذاكرة وهوية وحق في تقرير المصير. ولهذا فإن محاولة منع قيام الدولة الفلسطينية لا تعني إلغاء الفلسطيني، وإنما تعني الدخول في صراع مفتوح مع حقيقة تاريخية وسياسية وديموغرافية لا يمكن إخفاؤها.
وقد يستطيع الاحتلال تغيير شكل المكان، وقد يستطيع بناء المستوطنات، وقد يستطيع فرض الأمر الواقع بقوة السلاح لبعض الوقت، لكنه لا يستطيع تحويل الأمر الواقع إلى حقيقة أبدية امام ارادة الشعوب ونضالها ، وحقها في تقرير المصير ،وهذا هو وهم القوة، وصياح الديكة مع كل نهار جديد.
ولذلك فإن المعركة الفلسطينية ليست مع الاحتلال فقط مع كل جبروته ، وإنما أيضاً مع مشروع سياسي يسعى إلى إقناع العالم بأن الفلسطينيين اصحاب حق شرعيين ، وامام استحقاق لتكون لهم دولة يعيشون فيها . الدولة الفلسطينية ليست منحة من إسرائيل، وليست مكافأة على سلوك سياسي، وليست قضية يمكن أن تبقى معلقة إلى ما لا نهاية وفقاً لموازين القوة. إنها حق سياسي وتاريخي وقانوني للشعب الفلسطيني، وهي جزء من الحل الذي لا يمكن تجاوزه مهما حاولت الحكومة الإسرائيلية الحالية الالتفاف عليه.
من يظن أن صياحه يستطيع أن يمنع شروق الشمس، سيكتشف في النهاية أن الشمس لا تحتاج إلى إذنه كي تشرق، وان للدولة الفلسطينية موعد ات كما هو شروق الشمس لا لبس فيه. الشعوب لا تموت لأن أحداً قرر أنها يجب أن تختفي.والشمس، لا تشرق بصياح الديكة، إنها تشرق لأن موعدها قد حان.

تعليقات
إرسال تعليق