المشروع الاستيطاني.. جزء من الخطاب الداخلي الإسرائيلي ومعركة على المستقبل لا على الأرض فقط
المشروع الاستيطاني.. جزء من الخطاب الداخلي الإسرائيلي ومعركة على المستقبل لا على الأرض فقط
بقلم: مروان سلطان — فلسطين 🇵🇸
15.8.2026
———————————————
إن منظومة الاستيطان التي باتت تفرض حضورًا متزايدًا في الضفة الغربية ليست مجرد حركة سكانية أو مشروع عمراني، بل هي برنامج سياسي واستراتيجي إسرائيلي طويل الأمد، أُعدّ لإعادة تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا الفلسطينية وفرض وقائع جديدة على الأرض.
تحوّل المشروع الاستيطاني منذ بداياته إلى ما يشبه كرة النار المتدحرجة؛ كلما تحركت التهمت مزيدًا من الأرض وسّعت نطاقها، تاركة وراءها واقعًا جديدًا في محاولة لإحداث التغيير المبتغى. وهو في جوهره ليس مشروعًا يخص المستوطنين وحدهم، بل ارتبط بدرجات تفاوتت بين سياسات وقوى سياسية إسرائيلية متعاقبة.
ولكي نفهم أسباب بقاء هذا المشروع وتطوره، ينبغي الانتقال من قياس الأشخاص إلى فحص البنية: الحركة الاستيطانية، المؤسسات، التشريعات، التمويل، الإدارة المدنية، الحماية الأمنية، والغطاء السياسي. فالاستيطان إحدى الأدوات التي اعتمدتها إسرائيل لتغيير معالم الأرض الفلسطينية مسبقًا وقبل الوصول إلى أي مسار سياسي أو الجلوس إلى طاولة المفاوضات. إنه مشروع يمتد عبر الزمن ليسعى إلى تعديل علاقة الأرض بالسكان، وخلق واقع جغرافي وديموغرافي وقانوني يجعل أي حل سياسي مستقبلي أكثر تعقيدًا.
دخلت الحركة الاستيطانية اليوم مرحلة متقدمة في ممارسة العنف للضغط على الفلسطينيين وتهجيرهم، بأيدي ما يُعرف بـ «شبان التلال» والتوسع في الاستيطان الرعوي، ولا سيما في المناطق الريفية والمهمشة. وفي بعض المناطق، تحولت مجموعات استيطانية مسلحة إلى قوة ضغط ميدانية تتحرك في بيئة توفر لها الحماية والدعم، مما يجعلها في أحيان كثيرة ذراعًا موازية لسياسة السيطرة الإسرائيلية.
وقد حظي المستوطنون — خاصة في ظل حكومة اليمين الحالية — بدعم واسع على المستويات الأمنية واللوجستية والسياسية، بتوجيه من وزراء في اليمين المتطرف، وفي مقدمتهم إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش. غير أن اختزال المشروع الاستيطاني في هؤلاء الوزراء أو في الحكومة الحالية وحدها يُعدّ قراءة قاصرة للمشهد الإسرائيلي.
فمشروع الاستيطان في الأراضي الفلسطينية يتجاوز أبعاد الحكومة الحالية وحجم الدولة الإسرائيلية ذاتها، مهما بلغ نفوذ التيار اليميني المتطرف فيها؛ فهو مشروع تجذر تاريخيًا في أدبيات الحركة الصهيونية وتياراتها الفكرية، وتلقى على مدى عقود أشكالاً متعددة من الدعم السياسي والاقتصادي والعسكري من الولايات المتحدة ودول أخرى. ومن هنا، لا يُمكن اعتباره ظاهرة طارئة ارتبطت بحكومة بعينها، بل مسارًا ممتدًا تضاعف منذ احتلال الضفة الغربية عام 1967 لترسيخ الهيمنة على المساحات الفلسطينية.
تكمن خطورة هذا المشروع في طبيعته التراكمية؛ إذ لا يتطلب الوصول إلى هدفه النهائي دفعة واحدة، بل يكتفي بتحقيق مكسب مرحلي ليجعله منصة لسيطرة أوسع. هو لا ينتظر إعلانًا رسميًا بضم الضفة الغربية لكي يفرض وقائعه؛ فكلما تبدلت المعالم، وتقطعت أوصال الجغرافيا الفلسطينية، وشُبكت المستوطنات بآليات الطرق والبنية التحتية والحماية الأمنية، اقترب الواقع من الضم الفعلي.
وهنا تنشأ المفارقة: يحاول المشروع الاستيطاني حل ما يراه "مشكلة جغرافية"، لكنه يعمّق في الوقت نفسه الأزمة السياسية والديموغرافية لإسرائيل؛ فالاستيطان قادر على تعديل الخرائط، لكنه يعجز عن تغييب صاحب الأرض، أو محو الرواية الفلسطينية، أو حسم مصير شعب لمجرد إعادة رسم الحدود. ومن هذا المنطلق، يُفهم عنف المستوطنين كأداة مبرمجة للتضييق على الفلسطينيين وحرمانهم من استثمار أراضيهم، تمهيدًا للسيطرة على مزيد من المزارع والقرى.
إن المستوطنين لا يخوضون معركة مساحة فحسب، بل يستثمرون في عامل الوقت أيضًا. فكل يوم يمر مع توسع الاستيطان يعني تثبيت أمر واقع جديد؛ وكل بؤرة، أو طريق، أو بئر، أو منطقة محمية قد تتحول لاحقًا إلى كتلة استيطانية متكاملة الأركان، أو مدينة في الخاصرة الفلسطينية.
ورغم التعبئة الحكومية الإسرائيلية المتعاقبة لتشجيع الانتقال إلى المستوطنات، فإن المؤشرات تشير الى ان المشروع لم ينجح بالقدر نفسه في جذب كثافة سكانية إلى الأماكن الحساسة المتاخمة للمدن الفلسطينية. وفي المقابل، يتصاعد الرفض الدولي للاعتداءات الاستيطانية وما تخلفه من خسائر بشرية ومادية ومحاولات للتهجير القسري، ما جلب انتقادات حتى من حلفاء غربيين كواشنطن، وإن تراوحت حدتها باختلاف المراحل.
ختامًا، تكمن خطورة الاستيطان في قدرته على تدوير المكتسبات الصغيرة لتصبح مطامع أكبر غدًا، لكن تغيير الخريطة لن يغير الحقيقة الممتدة: قد يغير الاستيطان شكل المكان، لكنه لن يمحو الإنسان الأصيل ولا حقه في المستقبل، فتبقى الحقيقة الساطعة التي لا يمكن تجاوزها هي وجود الشعب الفلسطيني وثباته على أرضه وهويته وروايته التاريخية.

تعليقات
إرسال تعليق