من المتاهة إلى البوصلة.. استعادة الفلسطيني زمام المبادرة
من المتاهة إلى البوصلة.. استعادة الفلسطيني زمام المبادرة
فلسطين بلدنا واحنا بدنا نعمرها
بقلم: مروان سلطان — فلسطين 🇵🇸
9.8.2026
——————————————
المقال هنا يحاكي ما يدور في فلسطين ، الجميع من ابناء الشعب الفلسطيني يتطلع الى الحكومة الفلسطينية لحل كل القضايا ، والمشاكل التي تواجهه ، وهو الذي يرى بام عينيه ان الحكومة والسلطة الفلسطينية قيدت ايديها وارجلها بالحديد من قبل الاحتلال الاسرائيلي. بمعنى ان الفلسطيني جرد نفسه من المسؤوليات الملقاة على عاتقه من اجل الوطن، والقى بهمومه الى الحكومة الفلسطينية لتواجه تلك التداعيات. والهموم باتت اكبر من قدرات الفلسطينين مجتمعين، فكيف اذا كل منا القى بمسؤولياته على الاخرين! ؟ .
****************************************
عندما نرى أن الحالة التراكمية للواقع الفلسطيني قد وصلت إلى طريق مسدود، وأن الشعب الفلسطيني يفقد السيطرة وسط المتاهة التي يعيش فيها، فلا بد من استعادة البوصلة التي تُخرج الجميع من تلك المتاهة، وتضع خارطة طريق توضّح الخطى والمسار للخروج من الشبكة العنكبوتية لتلك المآزق التي يعيشها الشعب الفلسطيني.
نحن اليوم نتحدث عن كتلة صلبة وعنيدة من المعيقات التي تم اعدادها لتمنع تقدم الشعب الفلسطيني وتحرره، والتي أُعدّت في أروقة ودهاليز السياسة الإسرائيلية بإحكام، من أجل أن يمضي الشعب الفلسطيني بقية عمره في متاهة لا يعرف كيف يتخلص منها.
نتحدث عن غياب مهمة لمكونات الشعب الفلسطيني وتنظيماته والنخب الفكرية عن القيام بدورها في التصدي لعدوان المستوطنين والسياسات العدوانية، ونتحدث عن مآزق اجتماعية وأخرى اقتصادية، واخرى كلها تعمل، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، على خنق الشعب الفلسطيني وإضعاف قدرته على مواجهة التحديات، والاستمرار في استدامة الازمات التي يعاني منها.
صحيح أن القضية الفلسطينية هي من أهم القضايا العالمية، وهي قضية ذات أبعاد تاريخية ودينية وإنسانية وسياسية لا تسمح لها بأن تفنى أو تذوب، وليس ذلك بفضل من أحد، وإنما لما تحمله فلسطين من مكانة وخصوصية لا تحملها كثير من القضايا الدولية الأخرى.
ففلسطين أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، وهي أرض الإسراء والمعراج، ومهد الرسالات السماوية، ومولد المسيح عيسى عليه السلام، وحاضنة الأنبياء الكرام، وفي مقدمتهم إبراهيم وأبناؤه عليهم السلام. وفلسطين تتوسط القارات، وتتجاور مع مناطق استراتيجية مهمة، وقد جعل موقعها الجغرافي منها مطمعاً على مدار التاريخ للغزاة والطامعين، وكان آخرهم المشروع الاستعماري الصهيوني.
لكن أهمية فلسطين ومكانتها التاريخية والدينية لا تعني أن نكتفي باستحضار التاريخ أو تعداد المزايا؛ فالقضايا لا تحميها المكانة وحدها، وإنما يحميها الإنسان الذي يتمسك بها، والمجتمع الذي يصونها، والمؤسسات التي تدافع عنها، والإرادة السياسية القادرة على تحويل الحق إلى فعل.
ومن أجل تشخيص الواقع، فإننا ندرك أنَّه عندما تتكاثر الأزمات وتضيع البوصلة، لا يكون الخروج من المتاهة بالبيانات، ولا بإلقاء اللوم على بعضنا البعض، وإنما باستعادة الإنسان الفلسطيني زمام المبادرة، وترتيب الأولويات، والعودة إلى الثوابت التي لا يجوز أن تكون موضع مساومة، حتى نتمكن جميعاً من الخروج سالمين من هذه المتاهة.
أمامنا تكتل عنيد صنع خصيصاً لمقاومة التحرر الفلسطيني وعرقلة قيام الدولة الفلسطينية. وإزالة هذه الكتلة الصلبة من المعيقات تحتاج إلى جهد كبير وشاق ومتواصل، حتى يصل الشعب الفلسطيني إلى مبتغاه.
لكننا اليوم أمام أخطر التحديات، وهو الانقسام الفلسطيني. ولم يعد الانقسام محصوراً في غزة والضفة الغربية، أو بين حركتي حماس وفتح، بل امتد إلى المجتمع الفلسطيني نفسه، ووصل إلى كل بيت تقريباً، حتى بات الخلاف السياسي او الاجتماعي ينعكس على العلاقات الاجتماعية، وأصبح البعض يرى نفسه فقط، بدلاً من أن يرى الجميع أنفسهم شركاء في مواجهة الخطر الأكبر.
والأخطر من ذلك كله أن غياب الأفق السياسي أصبح عاملاً إضافياً في تشتيت المجتمع الفلسطيني وإضعاف قدرته على تحديد وجهته.
السلطة الفلسطينية، منذ تأسيسها، أنجزت وقامت بدورها في لحظة تاريخية مهمة، وبنت مؤسسات وأدارت شؤون المجتمع في ظروف بالغة التعقيد، وهو الأمر الذي لم يرق للإسرائيليين، الذين عملوا على إضعاف السلطة وإخراجها تدريجياً من مضمونها ودورها، وإفراغها فعلياً من كثير من أدوات التأثير.
لكن المواطن الفلسطيني ما زال يرى في السلطة الفلسطينية الكيان الذي يُفترض أن يصنع الاختراق، وأن يقدم الحلول لأزمات الشعب الفلسطيني المتلاحقة.
وهنا برزت اهم المشكلات الوطنية؛ إذ أصبح المواطن ينتظر من السلطة أن تقدم الحلول لكل شئ بينما تراجع دوره هو، وتراجع معه دور المجتمع والفصائل والنخب والمؤسسات المدنية في البحث عن آليات الخروج من المتاهة. وبذلك، تخلى الفلسطينيون افرادا وجماعات ومؤسسات المجتمع المدني، بدرجات متفاوتة، عن جزء من دورهم في الولوج إلى آلية الخروج من تلك المتاهة، أو من تلك الكتلة الصلبة العنيدة من الأزمات التي تواجه مختلف قطاعات الشعب الفلسطيني.
وأمام هذا الواقع المرير، بات الشعب الفلسطيني في حيرة داخل متاهة تبدو وكأنها صُممت على مقاسه، ليبقى تحت الاحتلال، ويظل منشغلاً بإدارة أزماته اليومية، ويعتاد تدريجياً على الفتات الذي يحصل عليه، بدلاً من أن ينشغل ببناء الطريق الذي يقوده إلى الحرية والاستقلال.
لدينا بيانات، وتصريحات، ومواقف، واجتماعات، وقرارات، ومسميات سياسية كثيرة. لقد بنينا إمبراطوريات من البيانات والتصريحات، لكنها بقيت إمبراطوريات من ورق، بينما كانت الحقائق تُبنى على الأرض حجراً فوق حجر، لتصنع المتاهة للشعب الفلسطيني، يصعب الخلاص والخروج منها.
وهنا يبرز السؤال الحقيقي: ماذا تغير على الأرض؟
فالاحتلال لا يُقاس بما نقوله عنه، وإنما بما يفعله على الأرض.
والاستيطان لا يتوقف ببيان.
والتهجير لا يُواجه بالتصريحات وحدها.
والأرض لا تُحمى بالشعارات.
إن الفجوة بين ما نقوله وما يحدث على الأرض أصبحت واسعة إلى درجة لا يمكن تجاهلها. ولذلك فإن استعادة زمام المبادرة تتطلب الانتقال من مرحلة وصف الواقع إلى مرحلة التأثير فيه، ومن انتظار الآخرين إلى تحمل مسؤوليتنا نحن.
إن تحميل المواطن الفلسطيني مسؤوليته لا يعني إعفاء السلطة أو القيادة أو الفصائل من مسؤولياتها؛ بل العكس تماما. السلطة مسؤولة، والقيادة مسؤولة، والفصائل مسؤولة، والمؤسسات الوطنية والمجتمعية مسؤولة. لكن المواطن أيضاً ليس متفرجاً على قضيته. فإذا انتظر المجتمع أن تقوم مؤسسة واحدة بكل شيء، يصبح المجتمع نفسه رهينة للانتظار.
القضية الفلسطينية ليست ملكاً للسلطة، ولا للفصائل، ولا للنخب السياسية. هي ملك للشعب الفلسطيني بكافة مكوناته ، ومن هنا، فإن المطلوب هو استعادة المبادرة المدنية والوطنية السلمية، وإعادة الكرة إلى الملعب الفلسطيني، من خلال التلاحم والتعاضد وتوزيع المسؤوليات، بحيث يتحمل كل طرف مسؤوليته: السلطة الفلسطينية، والفصائل، والمؤسسات، والمجتمع، والمواطن. فالقضية الفلسطينية هي مسؤولية الشعب الفلسطيني .
فالصمود على هذه الأرض ليس انتظاراً، وإنما مشاركة في المسؤولية، وتكامل في الأدوار، وإصرار على حماية مقومات الوجود الفلسطيني وهذا يعني:
- حماية الأرض والوجود الفلسطيني بكل الوسائل المدنية والمجتمعية الممكنة.
- حماية القضايا الوطنية وعلى راسهم قضية الاسرى.
- حماية القيم الانسانية المتوارثة للشعب الفلسطيني
- تعزيز التكافل الاجتماعي.
- حماية السلم الأهلي وحفظ الامن ومنع الجريمة.
- رفض التهجير والتطهير الديموغرافي.
- دعم صمود المزارع وأصحاب الأرض.
- حماية التعليم والمؤسسات الوطنية والمجتمعية.
- استخدام القانون والإعلام والدبلوماسية الشعبية في الدفاع عن الحقوق الفلسطينية.
- مقاومة اليأس والإحباط، وعدم السماح بتحويلهما إلى واقع دائم.
- رفع المعنويات التي تسهم في تعزيز الصمود على الارض.
- رفض تحويل الخلاف السياسي إلى اقتتال داخلي.
- إعادة الاعتبار للإنسان الفلسطيني باعتباره صاحب القضية، وصاحب المصلحة الأولى في بقائه على أرضه.
هناك خطوط حمراء، لا يجوز أن تتحول إلى موضوع للتفاوض أو المساومة، لأنها تتعلق ببقاء المجتمع الفلسطيني نفسه ، على ارضه ووطنه واهمها: الدولة الفلسطينية، الشرعية الدولية، منع التهجير، الحفاظ على الارض والهوية، وحدة الشعب، التصدي لعنف المستوطنين باعتباره اسلوب حياة، التعليم، القضية الفلسطينية اكبر من الجميع.
استعادة البوصلة للمشروع الوطني الفلسطيني وكافة القضايا التي تنهش من الوجود الفلسطيني، لا يعني باي حال من الاحوال امتلاك إجابات فورية عن كل الأسئلة التي يدور رحاها في العقل الفلسطيني، وإنما تعني معرفة الاتجاه الذي يجب أن نسير فيه، وترتيب الأولويات والاتجاهات. قد لا نملك اليوم القدرة على تغيير كل المشهد، لكننا نملك القدرة على أن نقرر كيف نقف داخله.
فحين يستعيد الإنسان زمام نفسه، يستعيد المجتمع بوصلته، وحين يستعيد المجتمع بوصلته، تبدأ المتاهة في الانهيار. ومن المتاهة إلى البوصلة، تبدأ الخطوة الأولى باستعادة الفلسطيني زمام المبادرة.

تعليقات
إرسال تعليق