العبث في مخيمات اللاجئين شرارة يصعب إطفاؤها
العبث في مخيمات اللاجئين شرارة يصعب إطفاؤها
بقلم: مروان سلطان — فلسطين 🇵🇸
3 آب / أغسطس 2026
——————————————
في الثامن من كانون الأول/ديسمبر 1987، تعرّضت مجموعةٌ من العمال الفلسطينيين لحادثة دهسٍ متعمدة من قِبل إحدى الشاحنات العسكرية الإسرائيلية على حاجز بيت حانون (إيريز)، مما أسفر عن استشهاد أربعة عمال وإصابة العشرات من أبناء مخيم جباليا العائدين إلى بيوتهم من أماكن عملهم داخل الخط الأخضر. وكانت تلك الحادثة هي الشرارة التي فجّرت الانتفاضة الفلسطينية الأولى، التي عَمَّت قطاع غزة والضفة الغربية.
واليوم، تصدر عن قادة حكومة الاحتلال — وفي مقدمتهم نتنياهو ووزير دفاعه "كاتس" — تصريحاتٌ من شأنها تصعيد حدة التوتر في الضفة الغربية؛ من أهمها إعلان استعداد الجيش للقيام بالحملة العسكرية في مدن الضفة الغربية، وتصريحات أخرى تتحدث عن دخول الجيش إلى المخيم الرابع في الضفة الغربية لتنفيذ مهام قد تصل إلى "هندسة الجغرافيا والمكان"، كما حدث في مخيمات شمال الضفة الغربية في مدينتي جنين وطولكرم.
العمليات العسكرية التي يشنها جيش الاحتلال الإسرائيلي في مدن الضفة الغربية على مدار الساعة، وتحديداً داخل المخيمات الفلسطينية، تتسبب في خسائر فادحة في الأرواح والممتلكات. إذ تُحدث هذه العمليات تغييراً كبيراً في الديموغرافيا الفلسطينية، وتُصيب الحياة العامة بالشلل، ناهيك عن تشريد مئات العائلات في الشوارع وخارج المأوى الآمن. الاستهداف العسكري للمخيمات الفلسطينية ومحاولة إعادة تشكيلها ديمغرافياً أو جغرافياً لن يحقق للأمن الإسرائيلي مبتغاه، بل هو بمثابة "العبث في برميل بارود". لأن الأحداث الكبرى والانفجارات الشعبية غالبًا ما تبدأ بشرارة صغيرة غير متوقعةنتيجة تراكم الظلم.
إن المساس بالمخيمات على النحو الذي تنتهجه هذه الحكومة الإسرائيلية، وإحداث تغيير ديموغرافي فيها، يلقى استياءً ورفضاً عارماً في صفوف الفلسطينيين؛ خاصة أن هذه المخيمات لا تُعدّ مجرد شاهدٍ حي على النكبة الفلسطينية فحسب، بل إن المجتمع الفلسطيني ينتظر حلاً سياسياً عادلاً للجريمة التاريخية التي حلت به، حلاً مبنياً على حق العودة والتعويض.
لا أحد يعلم كيف تتولد شرارة الثورة على الظلم، ولا يملك أحدٌ تحديد متى وكيف يمكن لهذه الشرارة أن تتوهج لتبدأ معها مرحلة جديدة تفرض نفسها على معادلة الصراع في المنطقة. لكن الجميع يدرك ماهية وأسباب الانفجار الذي قد يقع جراء الظلم الواقع على الشعب الفلسطيني من قِبل الاحتلال؛ وهذا تحديداً ما حدث في انتفاضة عام 1987، حيث كان استشهاد العمال الأربعة سبباً في اندلاع انتفاضة شعبية واسعة، كان لها ما لها وعليها ما عليها.
قد يتمكن الاحتلال الإسرائيلي من الاقتحام بالسيارات والمدرعات والمجنزرات العسكرية، وإحداث التغيير الذي يتوهمه لفرض وقائع جديدة على الأرض في أي مخيم وفي أي مكان، لكنه حتماً لن يستطيع منع الانفجار الحتمي الذي سيتولد عن ذلك.
لقد بات واضحاً للقريب والبعيد أن العنجهية الإسرائيلية قد بلغت مرحلة اللاعودة، وأن الاحتلال يظن واهماً قدرته على تغيير أشكال الأماكن متى يشاء، بينما يعمى عن رؤية التغيير الجذري الذي يحدثه في أيديولوجيا وفكر الطرف الآخر... وهنالك تحديداً تكمن مَكامن الأقدار. ان مساس الاحتلال بالمخيمات يُعدّ مساساً بجوهر القضية الفلسطينية، وهو ما يجعل رد الفعل المتوقع كبيراً وغير قابل للسيطرة.

تعليقات
إرسال تعليق