إعادة هندسة المكان في الضفة الغربية: عنف المستوطنين أداة للضم تحت حماية الاحتلال

 إعادة هندسة المكان في الضفة الغربية: عنف المستوطنين أداة للضم تحت حماية الاحتلال



بقلم: مروان سلطان — فلسطين 🇵🇸

27 يوليو/تموز 2026


——————————————


من الواضح أن الضفة الغربية دخلت منحنى جديداً وخطيراً، مع تصاعد وتيرة عنف المستوطنين، الذي يجري في كل الحالات تحت حماية الجيش الإسرائيلي . ولم يعد هذا العنف مجرد اعتداءات متفرقة أو مبادرات فردية معزولة، بل بات جليا انه يستهدف الوجود الفلسطيني في الضفة الغربية بصورة مباشرة، ويشكل إحدى الأدوات المستخدمة لإعادة تشكيل الواقع على الأرض. لم يعد السؤال  فقط: لماذا يعتدي المستوطنون؟

بل أصبح السؤال الأهم هو :

ما الذي ينتج عن هذه الاعتداءات عندما تتكرر، وتحظى بالحماية، وتترافق مع مصادرة الأرض والقيود الإدارية والتوسع الاستيطاني؟

والإجابة واضحة: إنها تصنع واقعاً جديداً على الأرض.


وتبدو آثار هذا العنف مرئية للعيان، وامام عدسات الكميرات وشاشات التلفاز تبرز على أجساد الفلسطينيين وممتلكاتهم، من قتل وحرق للمنازل والممتلكات، واقتلاع للأشجار، وسرقة للمحاصيل والمواشي، وتدنيس للمواقع الدينية، فضلاً عن الإصابات والرضوض واللكمات والكدمات التي تظهر على أجساد الضحايا، في صمت دولي مخزي، لو انه يجري في اماكن اخرى ، لسمعنا الاتهمات ومفردات تنم عن الارهاب المنظم ، بسبب هذا العنف.


وما الاعتداءات والمداهمات المسلحة المتكررة في بلدات مثل تل وقُصرة وحوارة وترمسعيا، وفي مناطق مسافر يطا والأغوار، إلى جانب تمدد ظاهرة «البؤر الرعوية المسلحة»، إلا شواهد حية على استراتيجية تقوم على الترهيب اليومي والضغط المستمر، بهدف دفع الفلسطينيين إلى مغادرة أراضيهم، وتحويل وجودهم فيها إلى عبء محفوف بالخطر.


إن أهداف الاحتلال الإسرائيلي بشأن الضفة الغربية ليست مخفية، ولا تحتاج إلى كثير من البحث لاكتشافها. فمنذ احتلالها عام 1967، أطلقت إسرائيل مشروعاً استيطانياً منظماً ومخططاً له، وسخّرت مختلف إمكاناتها السياسية والقانونية والعسكرية والإدارية لخدمة التوسع الاستيطاني والسيطرة على الأرض.  ويقود اليمين الإسرائيلي المتطرف، الذي وصل إلى السلطة بقيادة شخصيات مثل وزير المالية بتسلئيل سموتريتش ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير وآخرين، هذه العملية بأسلوب أكثر راديكالية ووضوحاً. فلم يعد الأمر يقتصر على إقامة المستوطنات وتوسيعها، بل انتقل إلى ما يمكن وصفه بـ «الضم الإداري والتنفيذي الفعلي»؛ أي نقل مزيد من الصلاحيات المتعلقة بالأرض والتخطيط والبناء والإدارة من منظومة الاحتلال العسكرية إلى وزارات وهيئات حكومية مدنية إسرائيلية.


وهذه العملية تعني عملياً أن السيطرة على الضفة الغربية لا تتم فقط من خلال إعلان سياسي رسمي عن الضم، بل عبر تغيير تدريجي في طريقة إدارة الأرض، ونقل صلاحياتها إلى مؤسسات إسرائيلية، وتقييد قدرة الفلسطينيين على البناء والتمدد الطبيعي، في الوقت الذي تُمنح فيه المستوطنات والبؤر الاستيطانية المزيد من الدعم والحماية.


ومن هنا، فإن المستوطن المسلح لا يعمل دائماً باعتباره فرداً منفصلاً عن منظومة الاحتلال، بل يتحرك في كثير من الحالات ضمن شبكة متكاملة تتكون من:  مستوطن مسلح، وبؤرة استيطانية، وحماية عسكرية، وإدارة مدنية، ومصادرة للأرض، ومنع للبناء الفلسطيني، وضغط مستمر على السكان للرحيل.


وهذا هو الفارق الجوهري بين حادثة اعتداء فردية وبين منظومة تستخدم العنف لإعادة إنتاج السيطرة على المكان.


إرهاب المستوطنين وعنفهم ليس جديداً، فقد كان حاضراً على الدوام منذ أن وطئت أقدام المستوطنين الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية. وشهدت الأراضي الفلسطينية اعتداءات ومجازر عديدة، ولعل أشهرها مجزرة الحرم الإبراهيمي الشريف التي ارتكبها المستوطن باروخ غولدشتاين، وهو طبيب إسرائيلي من أصول أمريكية، في شهر رمضان المبارك عام 1994، أثناء أداء المصلين صلاة الفجر، عندما فتح النار عليهم، فقتل 29 مصلياً فلسطينياً وأصاب أكثر من مئة آخرين.


لطالما كان الاستيطان أحد أهم السياسات التي ابتدعها الاحتلال لخنق الفلسطينيين ومحاصرة مدنهم وقراهم. فقد أقيمت المستوطنات حول التجمعات الفلسطينية، وشُقت الطرق الالتفافية لخدمة المستوطنين، وصودرت الأراضي، وفُرضت القيود على البناء والتوسع، وأُقيمت الحواجز ونقاط التفتيش التي تقطع التواصل الجغرافي بين المدن والقرى والتجمعات الفلسطينية.


وبذلك، وجد الفلسطينيون أنفسهم يعيشون في معازل جغرافية متقطعة، تشبه أحياناً سجوناً بلا جدران؛ فالجدران قد لا تكون موجودة دائماً، لكن الحواجز والطرق المغلقة والقيود العسكرية والتصاريح ومصادرة الأرض قادرة على تقييد حركة الإنسان في أي لحظة يشاء الاحتلال.  وهنا يصبح الاستيطان أكثر من مجرد بناء منازل جديدة؛ إنه عملية مستمرة لإعادة توزيع الأرض والموارد والطرق والفرص، بحيث يصبح الوجود الفلسطيني أكثر صعوبة، بينما يصبح الوجود الاستيطاني أكثر رسوخاً واتصالاً.


ولم يتوقف أثر الاستيطان عند الجغرافيا والسياسة، بل امتد إلى الاقتصاد والأمن الغذائي الفلسطيني.  فعندما صادرت إسرائيل مساحات واسعة من الأراضي الواقعة في المنطقة «ج» (Area C)، التي تشكل نحو 60% من مساحة الضفة الغربية، وفرضت قيوداً واسعة على البناء الفلسطيني واستخدام الأراضي، ومنعت الفلسطينيين من الوصول إلى مساحات واسعة من المراعي والأراضي الزراعية، انحسرت الموارد الطبيعية وارتفعت تكلفة الإنتاج الحيواني والزراعي.


وتزداد خطورة ذلك مع توسع البؤر الاستيطانية الرعوية، التي لا تكتفي بالاستيلاء على الأرض، بل تستخدم الرعي والملاحقة والاعتداءات اليومية لطرد المزارعين والرعاة الفلسطينيين من مناطقهم.


وقد أدى هذا المسار إلى تهجير عدد من التجمعات البدوية والرعوية، وإضعاف مصادر دخل الأسر الفلسطينية، والإضرار بالاقتصاد المحلي، وتهديد الأمن الغذائي، في عملية لا يمكن فصلها عن الضغط المستمر على الفلسطينيين لدفعهم إلى الرحيل.  فحين يُمنع الفلسطيني من الوصول إلى أرضه، وتُسرق مواشيه، وتُقتلع أشجاره، ويُحاصر مصدر رزقه، ثم يُترك تحت تهديد الاعتداء اليومي، فإن التهجير لا يحتاج بالضرورة إلى قرار رسمي معلن؛ إذ يصبح الرحيل نتيجة متوقعة لواقع يُصنع على الأرض بصورة تدريجية.


إن الارتفاع الحاد في وتيرة عنف المستوطنين في الوقت الحاضر يشير إلى توجه إسرائيلي أوسع يعمل على «إعادة هندسة المكان». والمقصود هنا ليس مجرد تغيير أسماء المواقع أو إقامة مبانٍ جديدة، بل إعادة تشكيل البيئة الجغرافية والديموغرافية والسياسية للضفة الغربية، بحيث يصبح الفلسطيني محاصراً في مساحات أضيق، بينما تتوسع المستوطنات والبؤر الاستيطانية، وتتصل ببعضها عبر الطرق والبنية التحتية، وتتحول السيطرة الفعلية على الأرض إلى واقع يصعب التراجع عنه.


وفي هذا السياق، يصبح عنف المستوطنين من جهة، وما تفرضه سياسات الاحتلال من عقوبات جماعية بسبب التصدي لهجمات المستوطنين  إحدى الأدوات التي تؤدي وظيفة محددة: تغيير شروط الوجود الفلسطيني.  عنف المستوطنين يؤدي بالنتيجة إلى إخلاء أرض، أو ترك مزرعة، أو هجر تجمع، أو تعطيل مصدر رزق، أو منع الوصول إلى منطقة رعوية. وعندما تتكرر هذه الاعتداءات، وتترافق مع الحماية العسكرية والقيود الإدارية ومصادرة الأراضي، فإنها تتحول من حادثة منفردة إلى عملية سياسية وجغرافية متكاملة.


لقدد أشارت تقارير إعلامية وحقوقية إلى ارتفاع حاد في اعتداءات المستوطنين، فيما وثقت تقارير دولية، من بينها تقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)، عمليات نزوح قسري لتجمعات وعائلات فلسطينية نتيجة الاعتداءات والتهديدات والقيود المفروضة على الحياة اليومية.  كما وثقت منظمات حقوقية إسرائيلية، من بينها «بتسيلم»، مظاهر متصاعدة من العنف والتهجير والاستيلاء على الأرض، في حين أشارت تقارير صحفية إسرائيلية، من بينها تقارير صحيفة «هآرتس»، إلى الارتفاع الكبير في الاعتداءات والهجمات التي ينفذها المستوطنون بحق الفلسطينيين.


وبغض النظر عن اختلاف الأرقام والتقديرات بين مصدر وآخر، فإن الاتجاه العام واضح: عنف المستوطنين يتصاعد، والتهجير يتسع، والسيطرة الإسرائيلية على الأرض


إن أخطر ما يحدث في الضفة الغربية هو أن الضم قد لا يأتي بالضرورة في صورة إعلان سياسي كبير أو قرار واحد واضح.  فقد يحدث الضم تدريجياً، عبر نقل الصلاحيات، وتوسيع المستوطنات، وشرعنة البؤر الاستيطانية، ومصادرة الأراضي، وتقييد البناء الفلسطيني، وفرض واقع أمني وإداري جديد، ثم يصبح الواقع الجديد هو الحقيقة التي يُطلب من العالم التعامل معها.


ومن هنا، فإن عنف المستوطنين لا يمكن فصله عن مشروع أوسع لإعادة تشكيل الضفة الغربية. فالضم لا يتم فقط عبر الخرائط والقوانين، بل يتم أيضاً عبر تغيير الواقع السكاني والجغرافي على الأرض.  إن المستوطن المسلح، والبؤرة الاستيطانية، والجيش الذي يوفر الحماية، والإدارة التي تمنح الصلاحيات، والقانون الذي يشرعن السيطرة، كلها حلقات في سلسلة واحدة.  ولذلك فإن التعامل مع كل اعتداء باعتباره حادثة منفصلة قد يؤدي إلى إخفاء الصورة الكبرى. فالمشكلة ليست في عدد الاعتداءات فقط، بل في المسار الذي تقود إليه.


ومن ثم، فإن ما يجري في الضفة الغربية ليس مجرد ارتفاع في مستوى العنف، بل هو جزء من عملية أوسع لإعادة هندسة المكان، وإعادة توزيع الأرض، وتغيير الواقع الديموغرافي، وفرض الضم تدريجياً دون الحاجة إلى إعلان رسمي شامل.  واقعاً يُدفع فيه الفلسطيني إلى الانكماش، بينما يتوسع المستوطن؛ ويُحاصر فيه الفلسطيني، بينما تتصل المستوطنات؛ وتُصادر فيه الأرض، بينما تُفرض الوقائع الجديدة باعتبارها أمراً واقعاً.

وهكذا، فإن إعادة هندسة المكان في الضفة الغربية لا تجري فقط بالجرافات والخرائط والقوانين، بل أيضاً بالخوف.


والنتيجة الحتمية ، حين يصبح عنف المستوطنين سياسة يومية، يتحول إلى أداة تهجير. والتهجير، حين يتكرر، يتحول إلى تغيير ديموغرافي. وتغيير الديموغرافيا، حين تحميه الدولة، يتحول إلى ضم فعلي صامت مبرمج.  وهنا تكمن الصورة الأخطر لما يجري في الضفة الغربية.

تعليقات