جغرافيا الإرادة: كيف يفشل الاحتلال في هندسة المكان؟

 جغرافيا الإرادة: كيف يفشل الاحتلال في هندسة المكان؟ 

ليسجل التاريخ تلك الملحمة الخالدة للشعب الفلسطيني في الصمود والتحدي ، امام قوى الشر والجبروت.



بقلممروان سلطان — فلسطين 🇵🇸 

 20.7.2026

————————————————


في ذكرى مرور السنة الرابعة على السابع من أكتوبر 2023، وما قام به الاحتلال الإسرائيلي إثر ذلك من عمليات عسكرية في قطاع غزة والضفة الغربية —مستخدماً أحدث المعدات الحربية في العالم وأكثرها فتكاً وتدميراً في صفوف الشعب الفلسطيني، وما نتج عن ذلك من إبادة جماعية، وتدمير شمل كل أشكال الحياة، وفرض حصار توازي آثاره استخدام آلات القتل ومعاول الهدم في سبيل تنفيذ مخططات التهجير القسري أو الطوعي— يقف العالم اليوم ليودع أوهام القوة؛ فلم يستطع هذا الاحتلال، برغم كل أهواله، أن يحصد ثمار أعماله التي أراد منها دب الرعب في أوساط الفلسطينيين أو كسر إرادتهم.

كانت "هندسة المكان باستخدام القوة" إحدى السياسات الجوهرية التي حاول الاحتلال فرضها على الجغرافيا الفلسطينية؛ عبر محو الأحياء، وشق الطرق العسكرية، وتقسيم المدن والمخيمات. لكن هذه "الهندسة العسكرية" سرعان ما تحطمت أمام "جغرافيا الإرادة" لدى الإنسان الفلسطيني. فالاحتلال يملك الخريطة العسكرية والآليات الثقيلة، لكن الفلسطيني هو الذي يملك هوية الأرض وروح المكان. وبالرغم من فداحة الخسائر المادية والبشرية في صفوف المدنيين، إلا أن الشعب الفلسطيني أبرز ضرباً فريداً من الصمود العملي؛ صمودٌ يراه العالم في إصرار الطبيب على مداواة جراحه دون إمكانيات، والمعلم على التدريس في خيمة، والمزارع على استصلاح أرضه المحاصرة. سيسجل التاريخ هذه الملحمة الخالدة لشعب وقف أمام هذا التحدي الكبير، وبقي ثابتاً ومغروساً في تراب وطنه.

إن الذاكرة الفلسطينية مليئة بذكريات أليمة من اللجوء والهجرة والعيش في المنافي، وما زالت حكايات تروى عن الماسي لجبروت الاحتلال يوما بيوم وساعة بساعة ، والارادة في الصمود تقف حائلا في وجه نكبة جديدة  ،وأعتقد جازماً أن هذا "الوعي التاريخي الجمعي" بالتجارب القاسية الماضية هو الذي منع حدوث نكبة جديدة يُخطط لها. لقد ظن الاحتلال أن هول الدمار والترهيب سيُعيد مشاهد عام 1948، لكن الفارق اليوم هو وعي هذا الجيل الذي أدرك أن اللجوء في المنافي ليس حلاً بل هو موتٌ طويل، فآثر المواطنون البقاء ومواجهة الموت قتلاً أو جوعاً وعطشاً، على أن يتجرعوا مرارة الشتات من جديد؛ فكان البقاء فوق الركام خط الدفاع الأول والوحيد عن الوجود الفلسطيني.

لم تتوقف محاولات الاحتلال في شن الهجمات العسكرية، وفرض الحصار والتجويع، وخنق المواطنين في غزة ومخيمات شمال الضفة الغربية، وحصار المدن وتحويلها إلى كانتونات منعزلة، وإعدام سبل الحياة؛ متذرعاً بـ "الأمن". إلا أن حاجة الاحتلال للاستنفار الدائم، واستخدامه لأقصى درجات العنف، او ما يسمى بالعرف السياسي العنف المفرط طوال أربع سنوات ضد شعب أعزل، يمثل في جوهره شهادة عجز واعترافاً بالهزيمة الاستراتيجية. فالجيش الذي يحتاج لكل هذه القوة البطاشة ليثبت وجوده، هو جيش يعيش أزمة أمنية وجودية ولا يملك استقراراً، بينما صاحب الأرض يملك الاستقرار النفسي والتاريخي وإن هُدم بيته.

إن شعباً يحول الصمود من مجرد شعار إلى سلوك مدني يومي، ويملك إرادة التحدي والبقاء، لا يمكن أن تهزمه جحافل الجيوش، ولا معاول الهدم، ولا أدوات القتل. وهذا هو التحدي الكبير والملحمة التاريخية للشعب الفلسطيني؛ إنها أسطورة الصمود والبقاء على هذه الأرض من أجل الأجيال القادمة، وصناعة المستقبل لأبناء هذا الشعب.

تعليقات