ضرب السلم الأهلي الفلسطيني… المسمار الأخير في مشروع الضم والتهجير

 ضرب السلم الأهلي الفلسطيني… المسمار الأخير في مشروع الضم والتهجير



بقلم: مروان سلطان — فلسطين 🇵🇸

16.7.2026


————————————————


رغم المعاناة والألم اللذين يتجرعهما الشعب الفلسطيني بسبب سياسات الاحتلال، فقد كنت أرغب دائماً في تجنّب الحديث عن الواقع الفلسطيني الداخلي، وعن الهجمة الشرسة التي نتعرض لها بأهداف مختلفة، والتي تعصف بالنسيج الاجتماعي والسلم الأهلي.


طالما حاولت أن أعزز ثقافة الصمود، والحفاظ على السلم الأهلي، وصون النسيج الاجتماعي الفلسطيني. لكن عندما يصبح المواطن الفلسطيني غير آمن بسبب الفوضى وانتشار الجريمة وارتفاع معدلاتها، وتصاعد وتيرة إطلاق النار، وانتشار السلاح غير المنضبط، فإن ذلك يعني أن أهم مقومات الوجود الفلسطيني على هذه الأرض قد أصبحت مهددة، وأن منظومة الصمود والقدرة على الوقوف في مواجهة التحديات القائمة باتت أمام خطر داهم.


 هناك دائماً ما يبعث على الأمل في المجتمعات. أما عندما تتغلب موازين الشر والفوضى على كفة الخير والبناء والتطور والنمو، فإن ذلك يعني أن هناك خللاً عميقاً، وربما مساعي مقصودة للنيل من وحدة المجتمع وضرب منظومة النسيج الاجتماعي في ذلك البلد.

الواقع الفلسطيني اليوم يبعث على الحزن والأسى، لأسباب عديدة، في مقدمتها انتشار الفوضى ، والسلاح وانحدار القيم وتراجع العادات والأعراف التي طالما جمعتنا تحت سقف واحد؛ في البيت، والحي، والشارع، والمدرسة، ومكان العمل.


طالما أطلقنا، في مناسبات عديدة، تحذيرات من وجود اتجاهات مجتمعية سلبية بدأت تطفو على سطح مجتمعنا الفلسطيني، وتهدد أمنه وسلمه الأهلي. لكن استمرار هذه الظواهر واتساعها يطرح سؤالاً أكبر:

هل نحن أمام مجرد انفلات اجتماعي عابر، أم أمام ظواهر يجري استثمارها وتوظيفها لضرب المجتمع الفلسطيني من الداخل، لاهداف بعيدة المدى؟ ولكني اظنها مقصودة!.


إن أسباب ضرب منظومة السلم الأهلي في فلسطين متعددة، لكن من أبرزها، في تقديري، وجود أيدٍ خفية تعمل على تعميق الفوضى وإضعاف قدرة المجتمع على حماية نفسه، بما قد يسهّل، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، عمليات التهجير الطوعي للفلسطينيين، ويفتح الطريق أمام مشاريع الضم التدريجي للضفة الغربية إلى دولة الاحتلال الإسرائيلي.

فالمواطن الذي يفقد إحساسه بالأمان في بيته وحيّه وشارعه، ويشعر بأن حياته وممتلكاته مهددة، قد يصل في لحظة ما إلى الاعتقاد بأن الرحيل أصبح خياراً أقل خطراً من البقاء. وهنا تتحول الفوضى الأمنية من مجرد ظاهرة اجتماعية إلى عامل يمكن توظيفه في مشروع سياسي أكبر يستهدف الوجود الفلسطيني.


اليوم، باتت عمليات إطلاق النار تهدد أمن وسلامة المواطنين في الأراضي الفلسطينية. بعضها يرتبط بأفراد وعصابات تمارس ما يُعرف بفرض الإتاوات، وأخرى بما يسمى سلاح العشائر، إضافة إلى عمليات الانتقام والثأر، واستعراض القوة، والنزاعات العائلية والمجتمعية.

كل ذلك جعل المواطن يعيش في حالة من الحيرة والخوف أمام مظاهر التسلح العشائري وانتشار السلاح غير المنضبط.


وليس هذا وحده ما يسبب تفاقم الأوضاع في المدن والبلدات الفلسطينية. فهناك مؤثرات أخرى، أعتقد أن من المفترض أن تُجرى حولها دراسات شفافة وعميقة من الجهات المختصة، بهدف فهمها ومعالجتها وتصويب الأوضاع الناجمة عنها، وعدم التهاون بها.


وإذا أردت أن أشير إلى جانب مهم من هذه المؤثرات، فإنني أرى أن من الضروري التوقف أمام قدرة الاحتلال على التأثير في الحياة العامة الفلسطينية، ومحاولاته التدخل في تشكيل النموذج الذي يراه مناسباً له في الشأن العام الفلسطيني.  فعلى سبيل المثال، يقوم الاحتلال بمنع بعض الأشخاص من الترشح في اي انتخابات فلسطينية ، سواء كانت بلدية أو تشريعية أو نقابية أو غيرها، كما يعرقل ترشح آخرين، وقد يقوم باعتقال أشخاص وصلوا إلى مواقع قيادية، وإيداعهم سجون الاحتلال ، وبالتالي، تكون النتيجة أن الاحتلال يتدخل في حركة المجتمع الفلسطيني وشؤونه العامة، ويؤثر في موازين القوى والقيادات والخيارات المتاحة أمام الشعب الفلسطيني، بما قد يسمح بظهور مكونات أو قيادات ليست بالضرورة الأكثر قدرة أو ملاءمة لقيادة الشأن العام.

ولا تقتصر هذه التدخلات على ذلك، بل تمتد إلى سياسات أخرى تهدف إلى إضعاف المجتمع الفلسطيني، والسلطة الفلسطينية، وتفكيك قدرته على التنظيم، وضرب ثقته بمؤسساته، وإشغاله بصراعات داخلية تستنزف طاقته وتبعده عن مواجهة الاحتلال ومشاريعه.


إن أخطر ما في هذه الظاهرة لا يتمثل فقط في ارتفاع معدلات الجريمة أو انتشار السلاح، بل في تحول الفوضى إلى ثقافة، وتحول القوة إلى وسيلة لفرض الإرادة، وتراجع القانون أمام العائلة أو العشيرة أو الجماعة أو السلاح.

وعندما يفقد المواطن ثقته بقدرة المؤسسات على حمايته، فإنه يبدأ بالبحث عن حماية بديلة، وقد يجد نفسه مضطراً إلى الاحتماء بعائلته أو عشيرته أو امتلاك السلاح، وهنا تبدأ دائرة خطيرة من التسلح والخوف والانتقام.

ومع مرور الوقت، لا تعود المشكلة مجرد جرائم منفردة أو نزاعات عابرة، بل تتحول إلى تفكيك تدريجي لفكرة المجتمع الواحد، والمواطنة الواحدة، والقانون الواحد.

وعندما تتعدد مراكز القوة داخل المجتمع، وتتراجع هيبة القانون، يصبح المجتمع أكثر هشاشة، وأكثر قابلية للاختراق والتوظيف والاستنزاف.


إن الاحتلال لا يحتاج دائماً إلى خوض معركة مباشرة مع كل فلسطيني؛ فقد يكون إضعاف المجتمع من الداخل، وإشغاله بصراعاته الداخلية، وإفقاده الثقة بمؤسساته، إحدى أكثر الوسائل خطورة في إضعاف قدرته على مواجهة الاحتلال ومشاريعه.

ومن هنا، فإن مواجهة الجريمة والفوضى وانتشار السلاح غير المنضبط لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها قضية أمنية فقط، بل باعتبارها معركة وطنية لحماية المجتمع الفلسطيني من التفكك. فكل رصاصة تُطلق خارج القانون لا تهدد فرداً أو عائلة فقط، بل تضرب فكرة المجتمع، وتضعف الثقة، وتفتح ثغرة جديدة في جدار الصمود الفلسطيني.


إن انهيار منظومة السلم الأهلي الفلسطيني، لا سمح الله، قد يكون المسمار الأخير الذي يدقه الاحتلال في النعش الفلسطيني، في الوقت الذي تتسارع فيه عمليات الضم التدريجي، وتتزايد فيه محاولات استهداف الوجود الفلسطيني في الضفة الغربية. فالشعب الذي يفقد أمنه الداخلي، ويعيش في حالة خوف دائم، وتنتشر بين أبنائه الجريمة والسلاح والفوضى، يصبح أكثر هشاشة في مواجهة مشاريع الاقتلاع والتهجير والضم.


ومن هنا، فإن الحفاظ على السلم الأهلي الفلسطيني ليس ترفاً، ولا قضية أمنية عابرة، بل هو جزء أساسي من معركة الحفاظ على الوجود الفلسطيني نفسه.  إن حماية المجتمع الفلسطيني من الانهيار الداخلي، ومواجهة الجريمة والفوضى وانتشار السلاح غير المنضبط، وتعزيز سيادة القانون، واستعادة الثقة بالمؤسسات، وحماية النسيج الاجتماعي، كلها تشكل جبهة دفاع وطنية لا تقل أهمية عن أي جبهة أخرى في مواجهة الاحتلال.  فالمجتمع الفلسطيني المتماسك هو خط الدفاع الأول عن الأرض والإنسان والهوية.


أما إذا نجح الاحتلال، أو أي جهة أخرى، في دفع المجتمع إلى الفوضى والاقتتال الداخلي، وفقدان الثقة، والخوف، فإن المعركة لن تكون فقط على الأرض، بل ستنتقل إلى داخل الإنسان الفلسطيني نفسه.  وهنا تكمن خطورة المرحلة.  فالمسمار الأخير في النعش الفلسطيني لا يُدق فقط بالجرافات والمستوطنات وقرارات الضم، بل قد يُدق أيضاً عندما يُترك المجتمع فريسة للجريمة والفوضى والانقسام، وعندما يفقد المواطن شعوره بالأمان في وطنه.


لذلك، فإن حماية السلم الأهلي الفلسطيني ليست مسؤولية جهة واحدة، بل مسؤولية وطنية ومجتمعية مشتركة، تتطلب موقفاً واضحاً من الجميع، لأن معركة الحفاظ على المجتمع الفلسطيني هي في جوهرها معركة الحفاظ على فلسطين نفسها.  فلسطين لا تُحمى من الاحتلال وحده، بل تُحمى أيضاً من كل ما يفتت مجتمعها، ويضرب وحدتها، ويقتل شعور الإنسان الفلسطيني بالأمان والانتماء.


فإذا كان الاحتلال يدق مسامير الضم في الأرض الذي يلتهم الاخضر واليابس ، فلا يجوز أن يسمح للفوضى ومروجوها بأن تدق مسمارها الأخير في المجتمع الفلسطيني.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يواجه الفلسطيني محو الهوية؟ : استراتيجية البقاء الفلسطيني.

النظام العالمي الجديد: رمال متحركة لا ثوابت فيها وعمادها المصالح

سفينة لا تنكسر: في وداع عام واستقبال وطن وشعب من الرماد يعود