التاريخ لا يُخلّد أمراء الحروب… بل ضحاياهم
التاريخ لا يُخلّد أمراء الحروب… بل ضحاياهم
بقلم: مروان سلطان – فلسطين 🇵🇸
8.7.2026
——————————————-
على امتداد التاريخ، كان مصير القادة الذين جعلوا من الحروب والدمار والإفساد في الأرض نهجًا لهم هو السقوط، ومزابل التاريخ ، مهما بلغت قوتهم ونفوذهم. افتحوا صفحات التاريخ وتأملوا جيدًا أين انتهى أولئك الذين خاضوا غمار الحروب، وأغرقوا الأرض بالقتل والخراب. أين المغول؟ وأين الصليبيون؟ وأين نابليون بونابرت؟ وغيرهم كثير من القادة الذين ظنوا أن القوة العسكرية قادرة على صناعة الخلود. كانوا في زمانهم يملأون الدنيا رهبة، أما اليوم فلم يبق منهم سوى صفحات يقرأها الناس للعبرة، لا للاقتداء.
ولعل القرن العشرين يقدم أوضح الشواهد على هذه الحقيقة؛ فقد انتهى أدولف هتلر إلى نهاية مأساوية بعدما قاد العالم إلى حرب خلّفت عشرات الملايين من الضحايا، وسقط بينيتو موسوليني بعد أن جرّ بلاده إلى مغامرات عسكرية انتهت بانهيار نظامه، كما اضطرت قوى عظمى إلى الانسحاب من حروب طويلة في فيتنام وكمبوديا وأفغانستان بعدما أدركت أن التفوق العسكري لا يكفي لتحقيق الأهداف السياسية، وأن الشعوب لا تُهزم بسهولة مهما بلغت قوة السلاح.
والتاريخ يعلمنا أن القوة المجردة قد تصنع انتصارات عسكرية مؤقتة، لكنها لا تستطيع أن تصنع شرعية دائمة، ولا أن تمنح أصحابها الخلود. فالقادة يُحاكمون في نهاية المطاف بنتائج سياساتهم، وبما تركوه من أمن واستقرار، أو بما خلفوه من دمار ومآسٍ إنسانية.
وليست إسرائيل، ولا قادتها، استثناءً من هذه القاعدة التاريخية. فهذه الدولة، التي أُسست بقرار دولي، وحظيت على مدار عقود بدعم سياسي وعسكري غير مسبوق، تجد نفسها اليوم في قلب عاصفة ساهمت سياساتها في تأجيجها. ويعمل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بكل ما أوتي من أدوات سياسية وعسكرية للبقاء في الحكم، ويسعى إلى خوض الانتخابات المقبلة أملاً في تمديد بقائه السياسي، رغم ما يحيط به من أزمات داخلية وخارجية متراكمة.
ومنذ تشكيل الائتلاف الحكومي اليميني الحالي، فُتحت جبهات متعددة، واستُخدمت أحدث وسائل القتل والتدمير، والقرصنة وانتهاك القوانين والانظمة ..، لكن المشهد السياسي الإسرائيلي نفسه أخذ يتآكل تحت وطأة تلك السياسات. فالتاريخ لا يقيس القادة بحجم القوة التي امتلكوها، وإنما بما حققوه من نتائج.
فالأعمال تُقاس بنتائجها، وعندما تأتي النتائج أقل من حجم الكلفة البشرية والسياسية والعسكرية، تتحول الحرب إلى عبء على من أشعلها. واليوم، وبعد سنوات من اتساع رقعة المواجهات في الشرق الأوسط، وحشد الأساطيل، والعتاد، والجنود، وتوظيف أحدث وسائل الدمار، يبرز السؤال الذي لا يمكن تجاهله: ماذا تحقق فعلاً من كل ذلك؟
فالانتصار الحقيقي لا يُقاس بعدد المباني التي هُدمت، ولا بحجم القوة النارية المستخدمة، ولا بعدد الأهداف التي أُعلن عن تدميرها، وإنما بقدرة الحرب على تحقيق أهدافها السياسية. وكثيرًا ما سجل التاريخ حروبًا انتصرت فيها الجيوش في الميدان، لكنها أخفقت في تحقيق الغايات التي خاضت الحرب من أجلها.
وفي هذه الحرب، وفي زمن الثورة الرقمية والفضاء المعلوماتي المفتوح، لم يعد من الممكن احتكار الرواية كما كان يحدث في الحروب السابقة. فرغم القيود المفروضة على وسائل الإعلام، واستهداف الصحفيين، ومحاولات فرض الرواية الإسرائيلية على المشهد الإعلامي العالمي، فإن الهواتف المحمولة والشاشات الصغيرة نقلت صور القتل والدمار مباشرة إلى الرأي العام العالمي، فباتت الحقيقة أكثر قدرة على تجاوز الحدود، وأصبح الرأي العام شريكًا في توثيق ما يجري.
لقد تحولت الحروب الحديثة إلى حروب تُستخدم فيها قوة نارية هائلة لتحقيق أهداف عسكرية محددة، لكن ثمنها الإنساني أصبح كارثيًا. فمن أجل استهداف مقاتل أو موقع، تُدمَّر أحياء سكنية كاملة، ويُقتل الأطفال والنساء والشيوخ، دون اكتراث بحجم المأساة الإنسانية. وهذا ما شهدناه في غزة، ولبنان، وفي غيرهما من الساحات التي اشتعلت فيها الحروب.
لكن، في المحصلة النهائية، قد تُدمَّر المواقع العسكرية، وقد تُستنزف الجيوش، أما الشعوب فلا تُفنى. فالشعوب الصامدة، الصابرة، المرابطة، هي التي تبقى في نهاية المطاف، وهي التي تكتب الفصل الأخير من التاريخ، بينما يرحل قادة الحروب واحدًا تلو الآخر، تاركين وراءهم إرثًا من الخراب والأسئلة الثقيلة.
ويبقى السؤال الذي سيجيب عنه التاريخ: هل ستُذكر حقبة بنيامين نتنياهو بوصفها مرحلة حققت الأمن الذي وعد به الإسرائيليين، أم بوصفها مرحلة اتسعت فيها الحروب، وتعاظمت فيها الانقسامات الداخلية، وتزايدت فيها عزلة إسرائيل على الساحة الدولية؟ إن الإجابة عن هذا السؤال لن يكتبها السياسيون، بل ستكتبها الأيام، وستحسمها نتائج السياسات لا الشعارات.
وهكذا يثبت التاريخ، مرة بعد أخرى، أنه لا يُخلّد أمراء الحروب، مهما بلغت قوتهم، ولا يتوقف طويلًا عند صخب المدافع، بل يحتفظ في ذاكرته بضحايا الحروب، وبصمود الشعوب التي دفعت أثمانها الباهظة. فالقوة قد تصنع معركة، لكنها لا تصنع الخلود، أما الشعوب، فهي التي تكتب التاريخ، وتبقى شاهدة على أن العدل والكرامة أقوى من السلاح، وأن أمراء الحروب يرحلون، بينما تبقى آثار أفعالهم درسًا للأجيال.
“الظلم في أي مكان هو تهديد للعدالة في كل مكان.”
— مارتن لوثر كينغ الابن.

تعليقات
إرسال تعليق