يسرقون رغيفك ويعطونك منه كسرة
يسرقون رغيفك ويعطونك منه كسرة
بقلم: مروان سلطان — فلسطين 🇵🇸
6.7.2026
——————————————
مقولة للأديب الشهيد غسان كنفاني: “يسرقون رغيفك.. ثم يعطونك منه كسرة.. ثم يأمرونك أن تشكرهم على كرمهم.. يا لوقاحتهم!”.
المقاصة، الحواجز، الحصار، عنف المستوطنين، سرقة المحاصيل، سرقة الأغنام والمواشي، وطرد الناس من أراضيهم؛ كل هذا غيض من فيض. تلك هي أدوات الاحتلال والمستوطنين لفرض وقائع جديدة على الأرض الفلسطينية، بهدف حصر الفلسطينيين في كانتونات معزولة ومنفصلة لمنع قيام دولة فلسطينية، وضم أراض فلسطينية لأسرلة المكان وتهويده، وإحلال المستوطنين بدلاً من الفلسطينيين. وهي ليست إجراءات متفرقة، بل حلقات في سياسة واحدة تقوم على السيطرة على الأرض، وإضعاف المجتمع الفلسطيني اقتصادياً واجتماعياً، ودفعه تدريجياً إلى فقدان قدرته على الصمود.
ثمة ضغوط دولية لإعادة أموال المقاصة إلى السلطة الفلسطينية، وهناك مطالب أخرى أيضاً للتخفيف عن الفلسطينيين بدعم من الرئيس ترامب، لمنع انهيار السلطة الفلسطينية والتخفيف عن الشعب الفلسطيني، بعد أن بات الاقتصاد في مناطق السلطة يترنح وينازع الموت بسبب الحصار الإسرائيلي الخانق. والمفارقة أن أموال المقاصة ليست مساعدات ولا هبات، بل هي أموال فلسطينية تجبيها إسرائيل بموجب الاتفاقات، ثم تحولها إلى أداة ابتزاز سياسي وعقاب جماعي، فتحجزها أو تفرج عن جزء منها وفق حساباتها السياسية، وكأنها تمنح الفلسطينيين ما هو في الأصل حق لهم.
إن الحصار الذي ينتهجه الاحتلال في الأراضي الفلسطينية هو أحد السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين، والتي تتنوع من أجل خنق سبل الحياة في وجوههم، لإجبارهم على الهجرة. كل تلك السياسات صُنعت لتلائم المتاهة التي أُجبر الفلسطينيون على الدخول إليها وأُحكم إغلاق أبوابها، للحصول على مخرجات جديدة تشكل حجر الزاوية في هندسة الشرق الأوسط التي تتطلع إليها دولة الاحتلال.
وهنا تتجلى هندسة الاحتلال في أبشع صورها؛ فهو لا يسعى إلى تدمير السلطة الفلسطينية بالكامل خشية الفراغ الأمني، بل يريد إبقاءها في “غرفة العناية المكثفة”، يتلاعب بجرعات الأكسجين المالي (المقاصة) عبر وسطاء دوليين. إن هذا الدعم الدولي المشروط، والوعود بالتسهيلات الاقتصادية، لا يعدو كونها محاولات لاختزال قضية شعب يرزح تحت الاحتلال وتحويلها من قضية “تحرر وطني وسيادة” إلى مجرد “أزمة معيشية وإنسانية” تُحل ببضعة دولارات وتسهيلات على المعابر. إنها عملية هندسة تهدف إلى مقايضة الحقوق السياسية بالفتات المعيشي، وإجبار الضحية ليس فقط على القبول بالكسرة، بل والامتنان لجلادها. فالمطلوب، من وجهة نظر الاحتلال، ليس إنهاء السلطة ولا تمكينها، وإنما إبقاؤها في مستوى من الضعف يسمح بإدارة الواقع الفلسطيني دون أن تتحول إلى رافعة لمشروع سياسي مستقل.
وهكذا تتحول الحقوق إلى امتيازات مؤقتة، والواجب القانوني على دولة الاحتلال إلى مكرمة سياسية، بينما يبقى أصل المشكلة، وهو استمرار الاحتلال، خارج أي معالجة حقيقية.
إن إحداث بعض الانفراج في الشأن الفلسطيني يحاكي تماماً تلك الكلمات الخالدة للروائي الفلسطيني غسان كنفاني؛ إنهم يسرقون كل شيء ولا يريدون وجودك، وإن أعطوك كسرة يتحدثون عن عظمتها بهتاناً وزوراً، ويأمرونك أن تشكرهم. وإن اعترضت، فإنك موسوم بمعاداة السامية والإرهاب، وكل تلك التهم الجاهزة التي أنتجتها عبقرية الاحتلال.
ولذلك، فإن القضية لم تكن يوماً كسرة خبز، ولا بضعة ملايين من الدولارات، بل حق شعب في أرضه وحريته وسيادته. وكل ما عدا ذلك لا يغير حقيقة المشهد التي اختصرها غسان كنفاني قبل عقود: يسرقون الرغيف، ثم يمنحون صاحبه كسرة، وينتظرون منه أن يشكرهم…
نعم، يا لوقاحتهم!

تعليقات
إرسال تعليق