المناطق الآمنة.. مكاسب الحروب وحدود إسرائيل الجديدة

 المناطق الآمنة.. مكاسب الحروب وحدود إسرائيل الجديدة


بقلم: مروان سلطان – فلسطين 🇵🇸

18.6.2026

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


تشير المؤشرات، بعد توقيع الاتفاق الإيراني الأمريكي، إلى أن الحرب التي اشتعلت على عدة جبهات عقب السابع من أكتوبر 2023 تكاد تضع أوزارها. وكما هي الحال في الحروب، فإن الحرب التي اندلعت على الجبهة اللبنانية والسورية، وفي قطاع غزة، أفضت إلى نتائج كان من أبرزها سيطرة إسرائيل على مناطق واسعة من أراضي تلك الساحات. وبحكم الواقع والقوة العسكرية، باتت تلك المناطق، وفق تصريحات قادة الاحتلال السياسيين والعسكريين، جزءا ما يسمى ارض إسرائيل.


وهذا يشبه إلى حد كبير ما جرى بعد حرب عام 1967، حين احتلت إسرائيل الضفة الغربية وقطاع غزة وشبه جزيرة سيناء وهضبة الجولان. وباستثناء سيناء التي أُعيدت إلى مصر بموجب اتفاقية كامب ديفيد لاهداف استراتيجية، فإن إسرائيل أعلنت عن ضم المناطق الأخرى إليها. وبالرغم أن الأمم المتحدة ومعظم دول العالم لا تعترف بما تم ضمه، أو بما قد يتم ضمه لاحقا، باعتباره جزءا لا يتجزأ من إسرائيل، فإن الضغوط الفعلية لإعادة تلك الأراضي المحتلة إلى أصحابها أو إلى الدول الأم تكاد تكون معدمة، وفي احسن الاحوال فانها لا تعدو احاديث عابرة، ومواقف غير ملزمة.


وترى إسرائيل في الأراضي التي تطلق عليها اليوم اسم “المناطق الآمنة” أحد المكاسب والإنجازات التي حققتها من تلك الحرب، باعتبار أنها تبعد التهديدات والمخاطر عن المستوطنات الحدودية. فبعد السابع من أكتوبر احتفظت إسرائيل بنحو 70% من مساحة قطاع غزة، وفي لبنان باتت المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني تحت السيطرة الإسرائيلية، كما تعرضت مناطق سكنية واسعة للتدمير، وتم تهجير المزارعين عنها. وفي سوريا، بات جبل الشيخ وأجزاء من الجنوب السوري تحت السيطرة الإسرائيلية. أما في الضفة الغربية، فتنظر إسرائيل إليها باعتبارها مناطق متنازعا عليها وفق الرؤيا التوراتية، وأطلقت عليها اسم “يهودا والسامرة”، وأقامت فيها المستوطنات على نطاق واسع، بما بات يهدد الواقع الديموغرافي الفلسطيني.


كما أن مفهوم “المناطق الآمنة” ليس جديدا في الصراعات الدولية، غير أن التجارب السابقة أظهرت أن المناطق التي تنشأ تحت عنوان الأمن والحماية تتحول مع مرور الوقت إلى وقائع دائمة يصعب تغييرها، خاصة عندما تتراجع الضغوط الدولية وتغيب الإرادة السياسية القادرة على فرض قرارات الشرعية الدولية. وما يثير الانتباه أن إسرائيل لا تتعامل مع هذه المناطق باعتبارها إجراءات مؤقتة مرتبطة بظروف الحرب، بل باعتبارها مكاسب استراتيجية ينبغي الحفاظ عليها وتثبيتها.


وفي المقابل، يبدو أن مفهوم الأمن في الرؤية الإسرائيلية مفهوم متحرك لا تحده حدود ثابتة، فكلما ابتعد خط التماس برزت مطالب جديدة بمناطق إضافية تحت المبررات ذاتها. وهو ما يجعل الأمن وسيلة لإنتاج واقع جغرافي جديد أكثر منه حالة دفاعية مؤقتة. فالمناطق التي توصف اليوم بأنها ضرورية لحماية التجمعات السكانية الإسرائيلية، قد لا تكون الأخيرة في ظل غياب حدود نهائية معترف بها، واستمرار الخطاب الذي يربط الأمن بالتوسع والسيطرة.


وما يساعد على ترسيخ هذه الوقائع هو حالة العجز التي يعيشها النظام الدولي، حيث تكتفي المؤسسات الدولية بإصدار المواقف والقرارات، دون امتلاك أدوات فعلية تضمن تنفيذها أو إلزام إسرائيل بالانسحاب من الأراضي التي تسيطر عليها. وهو ما يمنح القوة العسكرية دورا حاسما في رسم الوقائع الجديدة، ويحول الاحتلال المؤقت مع مرور الزمن إلى أمر واقع يسعى أصحابه إلى إضفاء الشرعية عليه.


وفي اعتقادي، فإن هذه المناطق التي تدعي إسرائيل أنها تخدم أمنها وتحمي التجمعات السكانية الإسرائيلية من أي تهديدات، ليست سوى ذرائع تتجاوز الاعتبارات الأمنية، وتعكس سياسة تقوم على توسيع حدود الدولة على حساب الدول المجاورة. وهو ما ينسجم مع الرؤية التي يتحدث عنها بعض الساسة الإسرائيليين تحت مسمى “إسرائيل الكبرى”، وهي رؤية طُرحت في أكثر من مناسبة، بما في ذلك على منابر دولية وفي مقر الأمم المتحدة.


وإذا كانت الحروب تنتهي عادة باتفاقات تعيد الأمور إلى ما كانت عليه، فإن ما تشهده المنطقة اليوم يوحي بأن إسرائيل تسعى إلى إنهاء هذه الحرب بصورة مختلفة، من خلال تحويل نتائجها العسكرية إلى حدود جديدة، أو إلى “مناطق آمنة” دائمة. ومن شأن ذلك أن يفتح الباب أمام دورات جديدة من الصراع، لأن الأمن الذي يقوم على القوة وحدها لا يصنع استقرارا دائما، بل يؤجل أسباب الانفجار إلى مراحل لاحقة.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يواجه الفلسطيني محو الهوية؟ : استراتيجية البقاء الفلسطيني.

النظام العالمي الجديد: رمال متحركة لا ثوابت فيها وعمادها المصالح

سفينة لا تنكسر: في وداع عام واستقبال وطن وشعب من الرماد يعود