إسرائيل.. الحاضر الغائب في الاتفاق الأمريكي الإيراني

 إسرائيل.. الحاضر الغائب في الاتفاق الأمريكي الإيراني


بقلم: مروان سلطان — فلسطين 🇵🇸

16.6.2026

———————————————


منذ الإعلان عن توقيع الاتفاق الأمريكي الإيراني يوم أمس، ضجت وسائل الإعلام الإسرائيلية بهذا النبأ الذي اعتبرته الدوائر الرسمية في اسرائيل مفاجئاً لها، وساد نوع من الغضب والامتعاض في الوسط السياسي الإسرائيلي، وتناقلتها وسائل الإعلام الإقليمية والدولية ردود الفعل تلك.


وهنا لا بد من الإشارة — قبل أن نتوه في زحام المواقف الإقليمية والدولية — إلى حقيقة دامغة؛ وهي أن النظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة يضع في أولوياته دائماً الحفاظ على أمن إسرائيل. وليس بالضرورة أن تكون الأخيرة حاضرة في النقاشات أو المحادثات الثنائية بين أطراف النزاع في الشرق الأوسط، لكن المحصلة النهائية تضمن دائماً أمن إسرائيل والحفاظ على وجودها.


ففي كل الحروب التي اندلعت في المنطقة منذ نشأة الكيان، كان النظام العالمي يضع العتاد والسلاح في خدمة حمايتها؛ بدءاً من بريطانيا العظمى، وفرنسا، ودول الناتو دون استثناء، وصولاً إلى الولايات المتحدة اليوم. فمنذ السابع من أكتوبر، رست حاملات الطائرات والبوارج الحربية قبالة سواحل حيفا في فلسطين المحتلة، ناهيك عن استنفار القواعد العسكرية الأمريكية المتواجدة داخل إسرائيل نفسها.


ومن المهم ألا ننسى أن الحرب التي اندلعت بين الولايات المتحدة وإيران بمشاركة إسرائيلية، جاءت بتحريض إسرائيلي للرئيس ترامب لإخضاع طهران للنفوذ الإسرائيلي. وكانت هذه هي المرة الأولى التي توافق فيها إدارة أمريكية على شن حرب مباشرة على إيران، وهو ما لم يتبنى ذلك أي من الرؤساء الأمريكيين السابقين. ورغم أن الرئيس ترامب وافق على ذلك، إلا أنه انطلق من تغليب المصالح الأمريكية التي تعلو فوق كل اعتبار، ومع ذلك، تظل مصلحة إسرائيل مأخوذة بالحسبان عند عقد الاتفاقيات وتحقيق التوازنات.


فالسياسة الأمريكية لا تُدار بمنطق الانتصار الكامل لطرف والهزيمة الكاملة لطرف آخر، وإنما بمنطق إدارة المصالح وإدارة التوازنات. ومن هذا المنطلق، فإن الاتفاق مع إيران لا يعني تخلي واشنطن عن إسرائيل، كما لا يعني منح طهران حرية الحركة الكاملة في الإقليم، بل يعكس محاولة أمريكية لإعادة ضبط الصراعات بما يخفف الأعباء العسكرية والاقتصادية على الولايات المتحدة، مع الإبقاء على التوازنات التي تراها ضرورية لحماية مصالحها الاستراتيجية وشبكة تحالفاتها في المنطقة.


قد يكون الموقف الأمريكي قد تجاوز رئيس الوزراء الإسرائيلي في المفاوضات والاتفاق الأخير مع إيران، لأسباب تعود إلى الامتعاض الدولي — بما فيه الأمريكي — من سياسات الحكومة الإسرائيلية، التي أثارت الرأي العام العالمي بسبب إشعالها العنف في جبهات متعددة، - وهو ما لمسناه من ضغط امريكي على اسرائيل عبر المحادثات التي كانت يتم تسريبها الى الاعلام بين الرئيس ترامب ونتنياهو والتي تخللت الانتقاد والصراخ من اجل لجم السياسات الاسرائيلية- وانتهاكها الصارخ لحقوق الإنسان، فضلاً عن الإعلان عن توجهات توسيع نفوذها الإقليمي وحدودها على حساب دول مجاورة. وينطلق هذا التجاوز الأمريكي من رؤية براغماتية ترى في استمرار الحروب المفتوحة تهديداً مباشراً للمصالح الحيوية والاقتصادية لواشنطن؛ فالولايات المتحدة هنا لا تتخلى عن إسرائيل، بل تحميها من تبعات سياسات حكومتها المندفعة. ويبدو أن هذا يعكس رغبة دولية في إنهاء الدور السياسي لنتنياهو، الذي يواجه قضايا فساد محلية، وملاحقات دولية من محكمة الجنايات الدولية بسبب دوره في الإبادة الجماعية وجرائم الحرب المرتكبة في قطاع غزة، هو وائتلافه الحاكم.


ومما لا شك فيه، أن هناك تصاعداً واسعاً في الولايات المتحدة وأوروبا ضد دعم إسرائيل في سياساتها العدوانية. فنحن نجد أن حركة “ماغا” (MAGA) الأمريكية، التي تتبنى شعار الرئيس ترامب “أمريكا أولاً”، تناهض دعم إسرائيل، وترى أنها تستهلك مقدرات الشعب الأمريكي ودافعي الضرائب الذين يفترض أن تُوجه أموالهم للتنمية الداخلية. وعلى الرغم من التناقض الواضح في مواقف هذا التيار، الذي يجمع بين التأييد الأيديولوجي لليمين الإسرائيلي وبين الرغبة الانعزالية في التحلل من أعباء الشرق الأوسط المادية، إلا أن صوته بات مؤثراً في صياغة القرارات. كما أن هناك حراكاً متصاعداً في الشارع الأوروبي ضد توريد السلاح إلى إسرائيل، لإدراكهم أن هذا العتاد موجه لقتل المدنيين. وقد تجلى الموقف الأوروبي أيضاً في المطالبة بعدم استخدام الولايات المتحدة للقواعد العسكرية في أوروبا أثناء الحرب على إيران.


كما لا يمكن فصل الاتفاق عن التحولات الأوسع التي يشهدها النظام الدولي. فالولايات المتحدة تجد نفسها اليوم أمام تحديات استراتيجية متزايدة في مناطق أخرى من العالم، وفي مقدمتها المنافسة مع الصين واستمرار التوتر مع روسيا. وفي ظل هذه المعطيات، تبدو واشنطن أكثر ميلاً إلى احتواء أزمات الشرق الأوسط وتقليص احتمالات الانفجار العسكري الشامل فيه، بما يسمح لها بإعادة توجيه مواردها واهتماماتها نحو أولويات تعتبرها أكثر أهمية لمكانتها الدولية خلال العقود القادمة. هذا عدا عن التوازنات الداخلية التي هي استحقاق في الديمقراطية الامريكية.


بالرغم من الالتزام الدولي التاريخي بتوفير الضمانات الأمنية لإسرائيل، إلا أن الموقف الدولي الراهن يشهد تغيراً مهماً قد يسهم في لجم الانفلات الذي تمارسه، وضبط سياساتها بما يخدم الأمن والسلام العالمي. ومن المهم للشارع الإسرائيلي أن يقرأ هذه الرسالة جيداً، من أجل بناء سياسات قد تفضي إلى وقف التغول في استخدام التفوق العسكري لإخضاع الدول، تحت ما يسمى “السلام بالقوة”؛ وهو أمر لا يمكن للشعوب الحرة أن تقبل به أبداً.


وفي هذا السياق، قد يكون الاتفاق الأمريكي الإيراني مؤشراً على بداية مرحلة جديدة تقوم على إدارة الصراعات بدلاً من توسيعها، وعلى محاولة إعادة رسم حدود الأدوار الإقليمية بما ينسجم مع المصالح الدولية المستجدة. وهذا لا يعني بالضرورة انتهاء أسباب التوتر في المنطقة، لكنه يعكس إدراكاً متزايداً لدى القوى الكبرى بأن استمرار الحروب المفتوحة لم يعد خياراً مضمون النتائج كما كان في السابق، والتي ابرزتها الحرب على ايران مؤخرا.


وإن عدم استيعاب هذه المتغيرات قد يدفع المؤسسة الأمنية الإسرائيلية إلى خيارات منفردة متهورة، كالعمليات السيبرانية أو الاغتيالات، محاولةً بذلك تقويض الاتفاق والهروب من العزلة الدولية التي بدأت تفرضها موازين القوى الجديدة.


وفي المحصلة، قد لا تكون إسرائيل طرفاً معلناً في الاتفاق الأمريكي الإيراني، لكنها تبقى حاضرة في خلفياته وحساباته ونتائجه. فكل تفاهم دولي كبير يتعلق بالشرق الأوسط ينعكس بصورة أو بأخرى على موقع إسرائيل ودورها ومستقبل سياساتها. ومن هنا، فإن أهمية الاتفاق لا تكمن فقط فيما ورد في بنوده، بل أيضاً فيما يحمله من رسائل سياسية بشأن شكل الإقليم الذي تسعى القوى الكبرى إلى بنائه في المرحلة المقبلة، وحدود القوة التي يمكن لأي دولة أن تمارسها خارج إطار التوافقات الدولية الأوسع.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يواجه الفلسطيني محو الهوية؟ : استراتيجية البقاء الفلسطيني.

النظام العالمي الجديد: رمال متحركة لا ثوابت فيها وعمادها المصالح

سفينة لا تنكسر: في وداع عام واستقبال وطن وشعب من الرماد يعود