وحدة الصوت العربي ضرورة في مواجهة إسرائيل اليمينية الجديدة
وحدة الصوت العربي ضرورة في مواجهة إسرائيل اليمينية الجديدة
بقلم: مروان سلطان — فلسطين 🇵🇸
13.6.2026
—————————————————
منذ تفجر الأزمات المتعاقبة في الشرق الأوسط في أعقاب السابع من أكتوبر 2023، شهدت الخارطة السياسية الإسرائيلية انزياحا بنيويا تمثل في اضمحلال احزاب اليسار وصعود أحزاب اليمين بمختلف أطيافه لتتصدر المشهد بصفة مستدامة، متجاوزة فكرة “الحالة الانتخابية العابرة” إلى فرض هيمنة أيديولوجية شاملة. وبناء على هذه المعطيات، لم تعد الانتخابات البرلمانية المقبلة صراعا تقليديا بين اليمين واليسار، بل باتت منافسة متمحورة في جوهرها بين أجنحة وتيارات اليمين نفسه، والتي تتفق استراتيجيا على مقاربتها تجاه القضية الفلسطينية والفلسطينيين بشكل عام. وفي المقابل، يبرز في الشق الآخر الصوت العربي الذي يخوض معركة وجودية شرسة للحفاظ على بقائه ومكتسباته، في مواجهة أيديولوجية يمينية متطرفة تتصاعد حدة طروحاتها لتشمل مشاريع التهجير، والحرمان من الحقوق، والإقصاء الكامل.
إن ما يميز المرحلة الحالية أن صعود اليمين لم يعد مرتبطا بشخص بنيامين نتنياهو أو بائتلاف حكومي بعينه، بل أصبح انعكاسا لتحولات ديموغرافية وثقافية داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه، حيث يتزايد وزن التيارات الدينية والقومية والمحافظة بصورة مطردة. وهذا يعني أن الرهان على عودة سريعة إلى مشهد سياسي إسرائيلي أكثر اعتدالا أصبح أقل واقعية من أي وقت مضى، الأمر الذي يفرض على الفلسطينيين في الداخل إعادة قراءة المشهد وفق معطيات جديدة لا وفق توازنات الماضي.
لا شك أن فلسطيني الداخل أمام اختبار صعب في المشهد الانتخابي القادم؛ انهم يحاولون جاهدين من خلال الأحزاب العربية التي تخوض الانتخابات إيجاد موطئ قدم لهم في الكنيست الإسرائيلي، من أجل تحسين أوضاعهم أولا، ومواجهة محاولات اليمين الإسرائيلي لتقويض حضورهم البرلماني، وإخضاعهم لبرنامج ممنهج يسعى لإقصائهم من المشهد السياسي العام داخل إسرائيل.
وفي السياق ذاته، يمكن القول إن الفلسطينيين في الداخل يعيشون حالة انقسامات وخلافات واسعة او لا مبالاة تمنعهم من الاضطلاع بدور متقدم في المشهد الإسرائيلي، وهو ما ينعكس سلبا على مستوى الخدمات في الوسط العربي . وثانيا، يهدف فلسطينيو 1948 من خلال المشاركة الانتخابية إلى التأثير على تشكيل الحكومة الإسرائيلية التي تعقب انتخابات الكنيست. وثالث تلك الأهداف، هو دعمهم الواسع للشأن الفلسطيني والقضية الفلسطينية في المحافل الدولية.
كما أن المشاركة السياسية لا ينبغي أن تفهم باعتبارها سعيا لزيادة عدد المقاعد فحسب، بل باعتبارها أداة دفاع جماعي عن الحقوق المدنية والوطنية، ووسيلة لمواجهة محاولات تقليص الحيز السياسي المتاح للفلسطينيين في الداخل، في ظل تنامي الدعوات التي تستهدف تمثيلهم السياسي ووجودهم العام في مؤسسات الدولة.
إن خوض الانتخابات البرلمانية وفق كتلة موحدة للأحزاب السياسية العربية، ومشاركة واسعة من الناخب العربي، يجعل من الائتلاف العربي في الكنيست القوة البرلمانية الثالثة أو الرابعة في الكنيست، مما يلقي بظلاله على المشهد السياسي في إسرائيل. وتزداد أهمية هذا الخيار إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن المجتمع العربي يمتلك ثقلا انتخابيا قادرا، في حال الوحدة وارتفاع نسبة المشاركة، على إيصال تمثيل عربي قد يزيد عن خمسة عشر مقعدا أو أكثر، وهو ما يجعل الكتلة العربية أحد أبرز اللاعبين في الكنيست، ويمنحها قدرة أكبر على التأثير في تشكيل الائتلافات الحكومية أو منع تشكيلها.
ولذلك، فإن توحيد الصف العربي لم يعد مجرد خيار سياسي تفضيلي، بل بات ضرورة حتمية؛ فالوجود العربي في الداخل اليوم أصبح مرهونا بصلابة الاستراتيجية العربية في إدارة المعركة الانتخابية، ومدى قدرتها على صناعة قوة حشد واستقطاب جماهيري غير مسبوقة. إن الرد الحقيقي على محاولات الإقصاء لا يكمن فقط في الشعارات، بل في تحويل إحباط الشارع إلى طاقة تصويتية هائلة تكسر حالة العزوف وتستقطب الناخب العربي للزحف نحو صناديق الاقتراع.
وعلى العكس من ذلك تماما، فإن الدخول إلى الانتخابات بصفوف منقسمة سيعزز حالة الاحتراب الداخلي ويذكي اللامبالاة، مما يؤدي إلى تشتت الأصوات وتدني نسبة المقاعد. وفي ظل الصعود الفاشي لليمين، تصبح نسبة التصويت العربية العالية هي خط الدفاع الأخير؛ فإما استراتيجية حشد صلبة وموحدة تفرض الثقل الديموغرافي والسياسي العربي كرقم صعب لا يمكن تجاوزه، وإما تراجع مستمر يفتح الباب أمام تشريعات التهجير وسلب الحقوق لتمرير مشاريع الإقصاء الكامل.
فالمعادلة في الانتخابات القادمة لم تعد بين قائمة عربية وأخرى، بل بين حضور عربي قادر على فرض نفسه رقما مؤثرا في المعادلة السياسية الإسرائيلية، وبين استمرار حالة التراجع التي تمنح خصوم هذا الوجود فرصة أكبر لإعادة رسم المشهد دون الأخذ بمصالح الفلسطينيين في الداخل أو حقوقهم بعين الاعتبار. ومن هنا، فإن الاستجابة العربية المطلوبة لم تعد تقتصر على خوض الانتخابات، بل تتمثل في إعادة بناء الثقة بين الناخب وقياداته السياسية، وتحويل الثقل الديموغرافي العربي إلى قوة سياسية منظمة وقادرة على التأثير في مسار الأحداث، والدفاع عن الوجود والحقوق في مرحلة تبدو فيها التحديات أكبر من أي وقت مضى.

تعليقات
إرسال تعليق