القبر الفلسطيني الذي ازعج المستوطنة
القبر الفلسطيني الذي أزعج المستوطنة
بقلم مروان سلطان — فلسطين 🇵🇸
10.5.2026
——————————————————
يمكن قراءة هذا المشهد ضمن سياق أوسع يتجاوز حادثة فردية أو خلافا على موقع دفن، لأنه يعكس طبيعة التحولات الجارية في الضفة الغربية، حيث لم يعد الصراع يقتصر على السيطرة على الأرض فقط، بل امتد إلى محاولة التحكم الكامل بالحيز الفلسطيني بكل ما يحمله من رمزية إنسانية وتاريخية، حتى الموت نفسه. فالمسألة لم تعد تتعلق بحق الفلسطيني في الحياة فوق أرضه فقط، بل بحقه أيضا في أن يوارى الثرى فيها.
لم يعد التضييق على السكان الفلسطينيين في الضفة الغربية مقصورا على الأحياء، بل امتد ليصل إلى حرمة الأموات. ففي جنين، أقدم مستوطنون، وبحماية الجيش الإسرائيلي، على إجبار فلسطينيين على إخراج جثمان أحد أقربائهم الذي توفي ودُفن في أرضه، بعد بضع ساعات من دفنه، بحجة أن المدفن قريب من مستوطنة «صنور». وتم إخراج جثمان المسن الفلسطيني حسين عصاصة، البالغ من العمر 85 عاما، وإعادة دفنه في قرية مجاورة. وقد جرى ذلك تحت تهديد السلاح، والتهديد بإخراج الجثمان ورميه في العراء.
هذه الحادثة التي مست بقداسة وحرمة الأموات ليست الأولى من نوعها. ففي مقبرة مأمن الله في القدس، أقدمت الجرافات الإسرائيلية على تسوية أجزاء من المقبرة الإسلامية من أجل إنشاء حديقة مكانها. وفي غزة، تناثرت الجثث في أماكن متعددة أثناء عمليات البحث عن مفقودين إسرائيليين خلال الحرب الأخيرة على القطاع. كما أن هناك مدافن يمتد عمرها إلى مئات السنين، يحتاج الدفن فيها إلى تصريح وتنسيق مع الاحتلال لإتمام مراسم الدفن، وفي كثير من المرات يتعرض المشيعون للرصاص وقنابل الغاز إذا ما تجاوز عددهم ما تسمح به سلطات الاحتلال. وتترك هذه الوقائع أثرا عميقا على الوعي الجمعي الفلسطيني، لأنها تمس أكثر المناطق حساسية في الثقافة الاجتماعية والإنسانية: حرمة الموتى وحق الإنسان في أن يدفن في أرضه وبين أهله.
تشير هذه الحادثة الأليمة إلى قضايا جوهرية، من أهمها أولا أن المناطق المحاذية للمستوطنات يجري التعامل معها باعتبارها «حرما أمنيا» تابعا للمستوطنة، بما يوحي بأن الأراضي المحاذية تصبح خاضعة لسلطة الأمر الواقع بحكم قربها الجغرافي، وهو ما يعزز مخاوف التهجير القسري للفلسطينيين القاطنين في تلك المناطق. كما يثبت هذا المشهد كيف أصبحت مجموعات من المستوطنين تتصرف بوصفها سلطة فعلية على الأرض، مستفيدة من بيئة سياسية وأمنية توفر لها الحماية أو غض الطرف، ما يجعل الفلسطيني في كثير من المناطق أمام منظومة ضغط يومي تتجاوز القانون التقليدي.
ثانيا، فإن هذا التطور يعكس تصاعدا في عنف المستوطنين في الضفة الغربية، وصل إلى حد انتهاك حرمة الموتى ونبش القبور، وهو ما يكشف اتساع دائرة الاستهداف لتشمل الرموز الإنسانية والاجتماعية والدينية.
ثالثا، يشير المشهد إلى عملية الضم الممنهجة التي يقوم بها الاحتلال في الضفة الغربية، والتي تهدف إلى أسرلة الضفة الغربية، ودفع الفلسطينيين تدريجيا إلى إفراغ المناطق المحاذية للمستوطنات من سكانها. وفي القراءة السياسية الأوسع، تعكس هذه الممارسات حالة من التآكل المتزايد للحدود الفاصلة بين الدولة والمستوطنين، حيث تبدو بعض المجموعات الاستيطانية وكأنها تتحرك بثقة نابعة من إدراكها أن المناخ السياسي الحالي يسمح بتوسيع النفوذ الميداني وفرض وقائع جديدة بصورة متدرجة.
وحين يصبح القبر الفلسطيني موضع نزاع، فإن القضية لم تعد مرتبطة بالأرض وحدها، بل بالرواية والوجود والحق في البقاء حتى بعد الموت. الاستيطان نقل الصراع إلى المساحات الأكثر حساسية في الوعي الإنساني: الموت، والدفن، والذاكرة، والحق الرمزي في البقاء على الأرض.

تعليقات
إرسال تعليق