المقامرة بالبارود: طبول الحرب تسمع مع موعد استحقاق صناديق الاقتراع في إسرائيل.

المقامرة بالبارود: طبول الحرب تسمع مع موعد استحقاق صناديق الاقتراع في إسرائيل.

بقلم مروان سلطان. فلسطين 🇵🇸

8.5.2026

———————————

الأزمات الدولية والحروب تندلع غالباً لتحقيق مصالح لبعض الأطراف المتحاربة، أو لإزالة أخطار تُصوَّر على أنها تهدد الأمن العام لدولة ما. وفي أحيان أخرى، تقف وراءها دوافع وهواجس وطموحات لدول تسعى إلى السيطرة على موارد حيوية تتنافس عليها القوى الدولية، إذ إن نقصها قد يهدد مسارات التطور والنمو الاقتصادي في بعض البلدان. وفي عالمنا المعاصر، يُعد النفط وبعض المعادن النادرة من أبرز أسباب الصراع بين الدول، إلى جانب العوامل الأيديولوجية والنزاعات الحدودية والرغبة في التوسع الجغرافي وتعزيز النفوذ.

وفي بعض الحالات، لا تنفصل هذه الدوافع عن حسابات داخلية ضيقة، حيث تُعاد صياغة قرارات الحرب بما يخدم توازنات سياسية داخلية. وضمن هذا الإطار العام، تبرز الحالة الإسرائيلية بوصفها نموذجاً تتداخل فيه هذه العوامل مع اعتبارات داخلية وشخصية أكثر حضوراً. إذ ترتبط المكاسب السياسية في إسرائيل، في كثير من الأحيان، بنتائج المواجهات العسكرية، ما يجعل من الحرب أداة لإعادة تشكيل المشهد الداخلي، خاصة في ظل نظام سياسي سريع التأثر بالرأي العام وبنتائج المواجهات العسكرية، وفي ظل اقتصاد بات يئن تحت وطأة تكاليف الحروب الطويلة التي باتت تهدد الاستثمارات والنمو، مما يجعل التضاد بين "النجاة السياسية" و"الغرق الاقتصادي" محركاً أساسياً للقرار.

وفي هذا السياق، يسعى بنيامين نتنياهو إلى توظيف التصعيد لتحقيق اختراق سياسي يعزز موقعه في ظل أزماته الداخلية، ويعيد تقديمه كقائد قادر على تحقيق إنجازات استراتيجية. وقد تجلى ذلك في توسيع دوائر التوتر من غزة إلى لبنان والضفة الغربية، وصولاً إلى ساحات إقليمية أخرى، في سياق يهدف إلى تكريس نظرية "تعدد الساحات" كواقع لا يمكن الهروب منه، وهو سياق يحظى أحياناً بدعم أميركي، كما في عهد الرئيس دونالد ترامب، مقابل مواقف أكثر تحفظاً لدى إدارات أخرى.

ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية في إسرائيل، تزداد حساسية هذا النمط من التوظيف السياسي للحرب. إذ تتحول التطورات الميدانية إلى عامل حاسم في تشكيل المزاج العام، الذي بات لا يكتفي بالضربات العسكرية العابرة بل يبحث عن "أمن مستدام" مفقود، مما يدفع نحو تصعيد محسوب أو توسيع نطاق المواجهة بهدف إعادة ترتيب موازين القوة داخلياً. وفي هذا السياق، تبدو مؤشرات عودة الحرب إلى الواجهة أكثر ارتباطاً باعتبارات الداخل الإسرائيلي، حيث تُستخدم كأداة لتعزيز الحضور السياسي وتجاوز الأزمات، أكثر من كونها استجابة لتهديدات طارئة فقط.

وفي موازاة ذلك، تتقاطع تسريبات وتحركات عسكرية توحي بوجود تحضيرات لسيناريوهات تصعيد أوسع، بما في ذلك ما يتصل بإيران، في توقيت يسبق الانتخابات الإسرائيلية. وبينما يصعب فصل هذه التحركات عن الاعتبارات الأمنية التقليدية، إلا أن تزامنها مع الاستحقاق الانتخابي يفتح الباب أمام قراءة ترى في التصعيد المحتمل امتداداً لحسابات داخلية، وربما محاولة لجر القوى الإقليمية إلى مواجهة شاملة تقلب الطاولة على الخصوم السياسيين في الداخل قبل الخارج.

وهو ما يجعل أي تحرك عسكري في هذه المرحلة خاضعاً لقراءات تتجاوز البعد الأمني المباشر، وتضع المنطقة أمام ثلاثة مسارات: إما تصعيد "جراحي" يخدم الدعاية الانتخابية، أو انزلاق لمواجهة شاملة تغيّر وجه المنطقة، أو تدخل دولي يفرض تهدئة تمنع توظيف البارود في صناديق الاقتراع.

وعليه، فإن تصاعد مؤشرات الحرب في هذا التوقيت لا يمكن قراءته بمعزل عن سياق الانتخابات، حيث تتقاطع حسابات الأمن مع ضرورات السياسة. وبين هذين المسارين، يبقى احتمال التصعيد قائماً بقدر ما تخدم نتائجه موازين القوى داخل إسرائيل.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يواجه الفلسطيني محو الهوية؟ : استراتيجية البقاء الفلسطيني.

النظام العالمي الجديد: رمال متحركة لا ثوابت فيها وعمادها المصالح

سفينة لا تنكسر: في وداع عام واستقبال وطن وشعب من الرماد يعود