بالونات اختبار في خدمة مشاريع الاحتلال وإعادة هندسة المكان

 بالونات اختبار في خدمة مشاريع الاحتلال وإعادة هندسة المكان

بقلم: مروان سلطان | فلسطين 🇵🇸

30.5.2026

——————————————————


ما زالت المشاريع الإسرائيلية المدعومة أمريكياً تلقي بظلالها على منطقة الشرق الأوسط، خادمةً مشروع “الشرق الأوسط الجديد” من منظور إسرائيلي. فقد عاد خطاب “إسرائيل الكبرى” إلى الواجهة داخل أوساط اليمين الإسرائيلي والتيارات الدينية والقومية المتطرفة، بعد أن ظل لعقود حاضراً في الأدبيات السياسية والفكرية الصهيونية. وما يعنيه هذا المشروع ليس بالضرورة المعنى الحرفي للسيطرة العسكرية على تلك الأجزاء الشاسعة من الوطن العربي، بل هو في المقام الأول امتداد للنفوذ الإسرائيلي والهيمنة على الدول التي تخضع للرؤية الإسرائيلية. وهو يعني أيضاً احتلالاً إسرائيلياً لمناطق تحيط بدولة إسرائيل، وضم تلك الأجزاء إليها، كما تتحدث الخطة الإسرائيلية عن مناطق شاسعة تحولها إلى “مناطق آمنة” فارغة من سكانها، وخارجة عن سيطرة الدول التي كانت جزءاً لا يتجزأ منها. وتتضمن الخطة الإسرائيلية كذلك نقل السكان من المناطق والأراضي التي تريد إسرائيل ضمها، وإحلال المستوطنين فيها، ودفعهم نحو مناطق ودول أخرى، على غرار ما يحصل في الضفة الغربية.


ومن هنا، كانت التصريحات العلنية عن تهجير الفلسطينيين إلى مصر والأردن، ودفع الرئيس ترامب بهذا الاتجاه منذ أن اعتلى السلطة بعد السابع من أكتوبر، وقد تصدت كل من الأردن ومصر لهذا المشروع بشكل حاسم في حينه؛ إدراكاً منهما أن تصفية القضية الفلسطينية عبر “الوطن البديل” ليست تهديداً للفلسطينيين وحدهم، بل هي استهداف مباشر للأمن القومي العربي وتفكيك لسيادة وهويات الدول الشقيقة المحيطة بفلسطين.


إن المشروع الإسرائيلي لتهجير الفلسطينيين لم يتوقف منذ نشأة دولة إسرائيل قبل ثمانية عقود، وتبدو الحرب القائمة اليوم على الشعب الفلسطيني وقطاع غزة وكأنها لن تتوقف إلا بعد الانتهاء من تنفيذ هذا المخطط الواسع. وإن كنا نرى وقفاً لإطلاق النار بشكل هش في غزة، وتصاعداً لهجمات المستوطنين على المدن والقرى والتجمعات السكانية في الضفة الغربية، فإن تلك الهجمات المستمرة تهدف كلها إلى إعادة هندسة الديموغرافيا الفلسطينية، سواء داخل المناطق الفلسطينية أو خارجها. فالمسألة لم تعد مرتبطة بإدارة صراع تقليدي، بل بمحاولة إعادة رسم المجال الجغرافي والبشري في فلسطين والمنطقة بما ينسجم مع الرؤية الأمنية والسياسية الإسرائيلية طويلة الأمد. ففي قطاع غزة يجري التدمير الممنهج لمقومات الحياة لخلق ما يسمونه زيفاً وتضليلاً بـ “الهجرة الطوعية” -وهي في جوهرها تهجير قسري صامت ومقنّع- بينما يتكامل ذلك في الضفة الغربية عبر عزل التجمعات البدوية وقضم الأراضي لتقطيع أوصال الجغرافيا وتسهيل الضم المستقبلي.


لكن الدفع باتجاه الخارج، وإن كان سيد الموقف الإسرائيلي وما زال يهدد الأمن العربي، فإنه يصطدم بصخرة الوعي والتمسك بالأرض؛ وقد صرح الوزير الإسرائيلي “كاتس” بالأمس قائلاً: “إنه سيتم تنفيذ خطة الهجرة الطوعية في غزة، وإن كل شيء سيحدث في وقته”.


وخلال الأيام الماضية، تداولت منصات إعلامية ومواقع تواصل اجتماعي تصريحات منسوبة للرئيس ترامب تتعلق بإعادة توطين السكان وتوسيع الامتداد الجغرافي نحو الأنبار العراقية، قبل أن يتم نفيها لاحقاً. غير أن مجرد تداول مثل هذه الطروحات وردود الفعل عليها يعكس حجم القلق المتصاعد من عودة مشاريع “الوطن البديل” إلى التداول السياسي والإعلامي. وسواء أكان الرئيس ترامب قد صرح بهذا الحديث أم لم يصرح، فإن هذه البالونات السياسية تقع ضمن إطار التوجهات الأمريكية الإسرائيلية للتهجير، وبات “الوطن البديل” يلوح من جديد في الأفق.


ما يمكن قوله إن التوجهات الأمريكية الإسرائيلية هي توجهات جادة وليست مجرد بالونات اختبار عابرة، وإذا أُلقيت تلك البالونات اليوم في الساحة السياسية، فإن الهدف منها هو قراءة ردود الفعل واختبار نبض الشارع العربي، والتحضير النفسي لمخططات قد تصبح خارجة عن السيطرة وممتدة كالحريق إذا لم تجد رادعاً حقيقياً. فالخطط الكبرى لا تُطرح دفعة واحدة، بل تبدأ غالباً عبر تسريبات وأفكار يجري اختبارها تدريجياً حتى تصبح قابلة للتداول السياسي والإعلامي.


وهنا لا بد من التأكيد على الوعي العربي والفلسطيني للتصدي لتلك المشاريع التي تخدم الأجندة الإسرائيلية، وتحويل الرفض السياسي إلى استراتيجية عمل موحدة ومستدامة تشيد بصمود الحاضنة الشعبية الفلسطينية فوق الركام وتدعم بقاءها. ففلسطين ستبقى فلسطين وهي للفلسطينيين وعلى الغزاة الرحيل، ولا بد من وقف تلك المشاريع الفاشلة التي لن تؤدي إلا إلى مزيد من الحروب، فالجغرافيا العربية ليست مساحة قابلة لإعادة التدوير في أدراج الصهيونية.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يواجه الفلسطيني محو الهوية؟ : استراتيجية البقاء الفلسطيني.

النظام العالمي الجديد: رمال متحركة لا ثوابت فيها وعمادها المصالح

سفينة لا تنكسر: في وداع عام واستقبال وطن وشعب من الرماد يعود