الفائزون في المؤتمر الثامن لحركة فتح: قيادة في حقل الألغام
الفائزون في المؤتمر الثامن لحركة فتح: قيادة في حقل الألغام
بقلم: مروان سلطان | فلسطين 🇵🇸
16.5.2026
——————————————————
لا أعتقد أن الفائزين في المؤتمر الثامن لحركة “فتح” يملكون اليوم رفاهية زهوة الانتصار، وإن كان هذا الفوز يضعهم في صدارة قيادة شعب بحاجة ماسة إلى قيادة واعية وصلبة. ولعل بعضهم يتمنى لو لم يخض غمار هذه الانتخابات المصيرية، التي ألقت بهم مباشرة أمام تحديات وجودية مرعبة. فالساحة الفلسطينية لم تعد تحتمل ترف الحسابات التنظيمية الضيقة، بل باتت أشبه بحقل ألغام سياسي ووطني مفتوح على احتمالات خطيرة.
فالمسألة اليوم لم تعد شأناً تنظيمياً داخلياً، بل مواجهة مفتوحة مع واقع يزداد قسوة وتعقيداً. الساحة الفلسطينية مشتعلة، وتواجه أخطاراً جسيمة تهتز لها الجبال الرواسي. حرب وجودية تُفرض على شعبنا في الواجهة تحتدم اليوم؛ فهجمات المستوطنين تستعر في الضفة الغربية لتهجير الفلسطينيين من المناطق (ج)، في ظل سياسات إسرائيلية تدفع بصورة متسارعة نحو تكريس الاستيطان الإحلالي وتصعيد العنف ضد الفلسطينيين.
وتواجه حركة الناس سياسة الخنق المبرمج بالحواجز والبوابات الإلكترونية وغيرها من القيود التي يفرضها الاحتلال، ناهيك عن أعمال القتل اليومي الممنهج التي ينفذها جيش الاحتلال بحق مدننا وقرانا، ومعركة “المقاصة” التي تستخدمها إسرائيل وسيلة لحصارنا مالياً واقتصادياً.
فهل يدرك الفائزون ما آلت إليه غزة؟ وهل تدرك القيادة الجديدة أن غزة والضفة مرشحتان لمخططات انتداب دولي أو غيره؟ وهل تدرك أن الانقسام الفلسطيني قد تغلغل حتى أصاب العظم والنخاع، وبات حالة يُخشى من استحالة إصلاحها؟ وكيف يمكن لغزة أن تعود إلى الحضن الفلسطيني بعد كل ما أصابها من دمار وجراح؟
أيها الإخوة الفائزون — وإني لأهنئكم من قلبي بعبء هذه الأمانة — أرجوكم، بعد انتهاء أجواء المؤتمر ومراسم التهنئة، التفتوا إلى من يتطلع إليكم. التفتوا إلى هموم الناس وما آلت إليه الأمور في التعليم، والصحة، والزراعة، والصناعة. التفتوا إلى غول البطالة الذي يلتهم كل أمل للشباب في الحياة. التفتوا، بحق السموات والأرض، إلى هموم الناس البسطاء الذين أنهكتهم الحروب والأزمات وضاقت بهم سبل العيش.
ولا تنسوا أن الناس، رغم كل ما يثقل حياتها، ما زالت ترى في القدس قبلة ومعنى وقضية تستحق أن يُبذل من أجلها الغالي والثمين.
في أمثالنا الشعبية يقول المثل: “لا يصلح العطار ما أفسد الدهر”، وقد أفسد الاحتلال الكثير في حاضرنا عبر برنامجه الممنهج في الإفساد والتدمير وخنق الشعب الفلسطيني، وقتل كل أمل لهذا الشعب في الخروج من تحت عباءته. لكنكم مطالبون اليوم بنفض غبار هذا الإفساد وإعادة صياغة الواقع؛ نريدها أن تكون العباءة فلسطينية حاضنة وخالصة لشعبها وقضيته.
الإخوة الفائزون.. رام الله حقاً مدينة جميلة، ولكن بقية المدن الفلسطينية باتت تئن تحت وطأة الخراب والتهميش. مدننا، ولكل الأسباب التي عشناها، ومضايقات الاحتلال والاستيطان، لم تعد مكاناً ترتاح فيه النفس أو تستقيم فيه الحياة كما ينبغي، بسبب انعدام السلم الأهلي وما شابه من تشوهات اجتماعية باتت تصيب أطياف هذا الشعب القلق.
فهناك، بين الناس وتفاصيل حياتهم اليومية، ستبدأ معركتكم الحقيقية: في حماية المشروع الوطني، وتعزيز الوحدة، وإعادة الحياة إلى الناس، وترسيخ صمودهم في مواجهة الاستيطان والعنف والخراب. وهناك أيضاً ستُختبر قيمة هذا الفوز، ويُختبر معها الدور التاريخي الذي ما زال الفلسطينيون ينتظرونه من حركة فتح. وعندها فقط، تصبح الصلاة في محراب الوطن أكثر قرباً من معناها الحقيقي.
"والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه".

تعليقات
إرسال تعليق