إبقاء السلطة الفلسطينية في حراك دائم ينقذها من الابتزاز السياسي الإسرائيلي

 إبقاء السلطة الفلسطينية في حراك دائم ينقذها من الابتزاز السياسي الإسرائيلي

بقلم: مروان سلطان – فلسطين 🇵🇸

28.4.2026

——————————————————


الحصار المالي الذي تتعرض له السلطة الفلسطينية حصار غير مسبوق، وقد أُحكمت السيطرة عليه من مختلف الجهات الداعمة التي تعهدت بتقديم الدعم المالي للسلطة الفلسطينية عند نشأتها. إن تجميد أموال المقاصة، وهي أموال الضرائب الفلسطينية، وقرصنتها تحت مسميات مختلفة، إلى جانب شروط الاتحاد الأوروبي للتمويل، وامتناع الدول العربية عن الدعم، هو انصياع للتوجهات الإسرائيلية من أجل الابتزاز السياسي من خلال تمرير مخططاتها على الشعب الفلسطيني والأراضي الفلسطينية.


تمترست السلطة الفلسطينية خلف مطالبها بالإفراج عن أموال المقاصة، وهذا حق طبيعي لا يشوبه شائبة. ورغم كل المحاولات والتدخلات الدولية، إلا أنها لم تكن كافية للإفراج عن تلك الأموال التي تتصرف بها إسرائيل كيفما شاءت وكما رغبت. والهدف هو تضييق الخناق على السلطة الفلسطينية من أجل دفعها نحو الانهيار، الذي تُعدّه إسرائيل تمهيدا لإجراء التغيير الذي تهدف إليه في هيكلية السلطة الفلسطينية، من خلال إقصاء شخصيات تعتقد أنها تشكل عقبة كأداء أمام مخططاتها، والأهم القضاء على النواة الصلبة التي تحمل حلم قيام دولة فلسطين على الأراضي التي احتلت عام 1967.


إن عدم الإفراج عن الأموال، وتجفيف منابع التمويل الدولي، ينعكس بشكل واضح وجلي على قدرة السلطة الفلسطينية في القيام بواجباتها ومسؤولياتها تجاه شعبها. إذ لم تعد قادرة على الالتزام بدفع رواتب موظفيها بشكل منتظم وكامل، فضلا عن النفقات التشغيلية الأخرى، والالتزامات المتعلقة بتحقيق الأمن الاجتماعي للطبقات الضعيفة والمهمشة، التي تتزايد بشكل مطرد في مناطق السلطة الفلسطينية. ويأتي ذلك في ظل توقف العمالة الفلسطينية داخل الخط الأخضر، التي كانت مصدرا مهما لدفع عجلة الاقتصاد، إلى جانب دورها في تقليص نسب البطالة.


من هنا، كان على السلطة الفلسطينية، وبعد طول تجربة مع التحكم في واردات المقاصة إلى الخزانة الفلسطينية، أن تعمل على تخفيض حجم الاعتماد عليها إلى الحد الذي يمكنها من الاستمرار في أداء مهامها تجاه الشعب الفلسطيني دون عوائق، وذلك من خلال دعم الاقتصاد الوطني أولا، وتعزيز المنتج المحلي، وتقليص حجم استيراد السلع غير الضرورية في السوق الفلسطيني.


إن الحالة التي نعيشها في الأراضي الفلسطينية من حصار مطبق هي حالة حرب تُشن على الشعب الفلسطيني، وهذا ما كان يتطلب تدخلات من السلطة الفلسطينية في نوعية السلع المستوردة وشكلها وطبيعتها، بما يسهم في تقليص المدفوعات ضمن نظام المقاصة، والدفع بعجلة الاقتصاد في السوق الفلسطيني.


هذه الحالة يدركها الصغير قبل الكبير، والقاصي قبل الداني في المجتمع الفلسطيني، لكن الرهان ظل بشكل مستمر على التدخلات للإفراج عن أموال المقاصة، كما كان يحدث في كل مرة. غير أن هذا الواقع مختلف تماما عما سبقه؛ فنحن جزء من مخطط أكبر لإعادة هندسة الشرق الأوسط، والمطلوب فيه رأس السلطة الفلسطينية وإخضاعها لهذا المخطط، بل ودفعها نحو الاستسلام تحت هذا الضغط الكبير.


قد يكون اللامبالاة أحد أسباب عدم اللجوء إلى خيارات أخرى تعزز الموازنة، لكن الواقع المرير المفروض على السلطة الفلسطينية كان يستدعي إجراء دراسات جدية لبدائل تمنع انهيارها. والسؤال هنا: لماذا كل هذا التأخير، والرهان على واقع باتت قراءته واضحة المعالم والاتجاهات والمضمون؟ إن كل الطروحات التي يجري تداولها لا تتجاوز كونها تسكينا للآلام، ولا تحقق أهداف الاستقلالية بعيدة المدى للنهوض بالعمل الفلسطيني. اليوم، بات مطلوبا إحداث تغيير حقيقي للحفاظ على الإنجاز والموروث، خاصة أن البدائل مطروحة بقوة من أركان اليمين الإسرائيلي.


إن إبقاء السلطة الفلسطينية في حالة حراك دائم لم يعد خيارا تكتيكيا، بل ضرورة وجودية تفرضها طبيعة المرحلة. فالثبات في موقع رد الفعل، أو انتظار انفراجات خارجية، لم يعد كافيا في ظل منظومة ضغط مُحكمة تستهدف البنية والوظيفة معا. الحراك المطلوب اليوم يجب أن يكون شاملا، اقتصاديا وإداريا وسياسيا، قائما على المبادرة لا الاستجابة، وعلى إعادة تعريف الأولويات بما يعزز الصمود الداخلي ويقلل من أدوات الابتزاز الخارجي. وحده هذا التحول كفيل بإفشال محاولات إعادة تشكيل الواقع الفلسطيني وفق الرؤية الإسرائيلية، والحفاظ على ما تبقى من قدرة على الفعل الوطني المستقل.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يواجه الفلسطيني محو الهوية؟ : استراتيجية البقاء الفلسطيني.

النظام العالمي الجديد: رمال متحركة لا ثوابت فيها وعمادها المصالح

سفينة لا تنكسر: في وداع عام واستقبال وطن وشعب من الرماد يعود