هيئات محلية منتخبة على صفيح ساخن

 هيئات محلية منتخبة على صفيح ساخن


بقلم: مروان سلطان - فلسطين 🇵🇸

26.4.2026

—————————————————


انتهى العرس الوطني الفلسطيني الديمقراطي بكل معاني الطيف الجميل ، الهادف إلى ضخ دماء جديدة، وتجديد إدارات المجالس المحلية في الضفة الغربية وجزء من قطاع غزة. انتهى بما له وما عليه، وخرجت اليوم إدارات جديدة منتخبة للنهوض بالمجتمع الفلسطيني،  ومواجهة استحقاقات كانت على الدوام معلقة ولا تجد حلاً، شكلت على مر الزمان ازمات اثقلت كاهل المجتمع المحلي ، وبقيت معلقة لا تجد حلا.

اليوم، ستجد المجالس المنتخبة نفسها أمام أحمال وأثقال وهموم واقع رُسمت ملامحه في الفضاء العام؛ فأيام قليلة وستغادرها المجاملات والتهاني والتبريكات، لتبدأ بعدها معركة البناء والتطوير التي يحلم بها كل مواطن، واستحقاق برنامج العمل للكتلة المنتخبة، كل ذلك في مواجهة عجز مالي تعاني منه الهيئات المحلية، وشح في التمويل الدولي للمشاريع.

ولا تنشأ هذه التحديات من فراغ، بل هي نتاج تراكمي لنموذج إدارة محلية مقيد منذ نشأته، حيث تتداخل الأعباء المالية مع القيود السياسية، ما يجعل المجالس الجديدة تبدأ عملها من نقطة مثقلة، لا من نقطة انطلاق.


بعض من الخدمات التي تقدمها مؤسسات الحكم المحلي تُشترى من الجانب الإسرائيلي مثل المياه والكهرباء، وبعض الخدمات الأخرى تحتاج إلى موافقات إسرائيلية لتنفيذها، وخاصة مكبات النفايات الصلبة وعمليات النقل التي تواجه مزاجية الجانب الإسرائيلي في المرور، أو مواجهة مخالفات بيئية يفرضها. وفي المحصلة النهائية، فإن انتظام هذه الخدمات منوط برضا الجانب الإسرائيلي عن إدارة البلديات، وعمليات التنسيق التي تربط الطرفين.

وتعمل هذه المجالس ضمن هامش إداري محدود، تتحمل فيه مسؤولية تقديم الخدمة أمام المواطن، دون امتلاك السيطرة الكاملة على أدوات تنفيذها. كما أن هناك خدمات أخرى يحتاج تنفيذها إلى موافقات أمنية، خاصة تلك التي تخضع لإشراف إسرائيلي وفق ما يعرف بالتقسيمات الإدارية التي فرضها الاحتلال.


وعلى صعيد آخر، يعود سلاسة تنفيذ بعض الخدمات أو بطؤها إلى البيروقراطية الإدارية التي تعاني منها المؤسسات المحلية وفق النظام المعمول به. إن المجالس المحلية المنتخبة تحمل اليوم إرثاً من العمل يحمل في جزئياته تعقيدات تحتاج إلى حلول غير تقليدية؛ فبعض هذه التعقيدات لا تلائم الظرف الجيوسياسي والاقتصادي الحالي، الذي باتت تبعاته ثقيلة على المواطن؛ ومنها ضرائب باتت متراكمة، خاصة على المواطنين القاطنين حول المستوطنات أو في مناطق (ج)، الذين لم يروا طوال حياتهم قيام دائرة الصحة بتقديم الخدمة لهم، ومع ذلك تتراكم عليهم الضرائب، مما يخلق فجوة في الثقة بين المواطن ومؤسسته.

ولا تهدد هذه الفجوة قدرة المجالس على الجباية فحسب، بل تمتد لتطال فكرة التمثيل ذاتها، حين يشعر المواطن أنه مطالب بالالتزام تجاه مؤسسة لا تملك الوصول إليه أو خدمته فعلياً.


تعاني المؤسسات البلدية اليوم الأمرين من تكدس الكادر الوظيفي، والذين يتم تعيينهم مع تجدد الهيئات المحلية، مما يتسبب في عجز مالي كبير. كما تعاني من أزمة مالية خانقة بسبب عدم تمكنها من استيفاء رسوم الخدمات في مناطق تخضع لسلطة الاحتلال، علاوة على الفاقد المالي الناتج عن الوصلات غير الشرعية، ناهيك عن الأبراج العسكرية للاحتلال والبؤر الاستيطانية التي تحصل على الإنارة الكهربائية على مدار الساعة عبر وصلات غير شرعية ينفذها فنيون إسرائيليون على حساب الهيئات المحلية الفلسطينية، مما يرفع الأسعار على المواطن الملتزم.


والأهم من ذلك، هو السؤال: كيف ستواجه هذه المؤسسات -التي وُجدت لتعزيز صمود المواطن- سياسات الاحتلال الممنهجة للتهجير؟ إن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في ترميم الشوارع، بل في قدرة هذه المجالس على ابتكار نموذج إداري مرن يتجاوز البيروقراطية.

وفي ظل محدودية الأدوات التقليدية، يصبح البحث عن نماذج عمل جديدة ضرورة لا خيارا، عبر “التحول الرقمي” الذي يغلق ثغرات الهدر المالي، والتوجه نحو ابداعات خلاقة تساهم في سد العجز وخلق الفرص. 


لذا، فإن تعزيز الصمود يتطلب اليوم “مساءلة مجتمعية” وتلاحماً بين الهيئات والمواطن، لمواجهة مخططات الاحتلال وايجاد حلول لأزمات الخدمات (كالنفايات والكهرباء) باعتبارها عقوبات جماعية. فمعركة الصمود لا تُقاس بالشعارات، بل بقدرة هذه المؤسسات على ضمان وصول الماء والكهرباء، وإدارة النفايات، وتثبيت الناس في أماكنهم رغم كل القيود.

إنه عام الصمود والتحدي، والوعي يبدأ من أولئك الذين حملوا هذه الأمانة، ليحولوا البلديات من أجهزة إدارية مثقلة بالديون، إلى قلاع صمود اقتصادية واجتماعية تحمي الوجود الفلسطيني على أرضه.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يواجه الفلسطيني محو الهوية؟ : استراتيجية البقاء الفلسطيني.

النظام العالمي الجديد: رمال متحركة لا ثوابت فيها وعمادها المصالح

سفينة لا تنكسر: في وداع عام واستقبال وطن وشعب من الرماد يعود