تصاعد منظم في عنف المستوطنين : يفرض وقائع جديدة على الأرض يشير الى مرحلة جديدة للعنف.

 تصاعد منظم في عنف المستوطنين : يفرض وقائع جديدة على الأرض يشير الى مرحلة جديدة للعنف.

بقلم: مروان سلطان — فلسطين 🇵🇸

22.4.2026

——————————————————


"في ظل التحولات العميقة التي تشهدها المنطقة، تبرز التطورات الميدانية في الأراضي الفلسطينية كعامل مؤثر في إعادة صياغة المشهد الإقليمي. ويلاحظ في هذا السياق تصاعد الدور الوظيفي للمجموعات الاستيطانية، التي تعمل كأداة تنفيذية غير مباشرة للسياسات الرسمية في الضفة الغربية؛ حيث تُسهم هذه التحركات—المسنودة بغطاء أمني ولوجستي—في تكريس واقع جيوسياسي جديد يتجاوز الأطر القانونية الدولية.

إن هذا النمط من العمل الميداني، الذي يحظى بدعم مؤسساتي وإن اتخذ طابعاً غير رسمي، يهدف إلى إعفاء السلطات الرسمية من التبعات القانونية المباشرة أمام المجتمع الدولي. ويتناول هذا المقال التداعيات الخطيرة لهذا النهج، مسلطاً الضوء على الارتفاع المقلق في حدة الانتهاكات، لا سيما مظاهر العنف الممنهج والاعتداءات الصارخة التي باتت تهدد الأمن الإنساني في الضفة الغربية."


ويمكن فهم هذا التصاعد في سياق أوسع، حيث تتقاطع التحولات الإقليمية مع محاولات فرض وقائع ميدانية متسارعة في الضفة الغربية، بما يجعل من عنف المستوطنين أداة ضمن مسار إعادة تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا الفلسطينية.


فقد أفاد تقرير للأمم المتحدة يوثق تعرض فلسطينيين إلى أساليب “التحرش والاعتداء الجنسي والترهيب”. حيث صرح المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك، خلال مؤتمر صحفي في نيويورك، الاثنين، بأن تقريراً أعده “المجلس النرويجي للاجئين” أظهر تعرض الفلسطينيين لاعتداءات جنسية وترهيب من قبل المستوطنين حتى داخل منازلهم. ونقل دوجاريك شهادات قاسية لرجال وصبية فلسطينيين أكدوا فيها إجبارهم على التعري وتعرضهم لمعاملة مهينة بالكرامة. حيث أكد المتحدث الرسمي أن 70% من الأسر التي هاجرت من القرى والتجمعات السكانية كان السبب الرئيس لها هو العنف الجنسي. وأكد التقرير أن أكثر من 2500 شخص، بينهم 1100 طفل، هجروا أماكن سكناهم بسبب عنف المستوطنين؛ وهي ممارسات تصنف في العرف الدولي كجرائم حرب تهدف إلى التطهير العرقي الصامت.


ويشير هذا النمط من العنف، خاصة ما يتصل بالإذلال الجسدي والمعنوي، إلى كونه أداة ضغط مركبة تستهدف كسر البنية الاجتماعية ودفع السكان إلى الرحيل، بما يتجاوز كونه اعتداءات فردية معزولة.


ومن جهة أخرى، ازدادت عمليات القتل التي ينفذها المستوطنون؛ فبالأمس -على سبيل المثال لا الحصر- قُتل عدد من الفلسطينيين، منهم طفل في الخليل ارتقى في حادث سير متعمد من قبل موكب وزيرة الاستيطان “أوريت ستروك” التي تسكن “كريات أربع”. وفي “المغير”، إحدى قرى رام الله، ارتقى اثنان من المواطنين على يد المستوطنين. هذا غيض من فيض، فالمسيرة تتحدث عن قتل بشكل يومي بات يتسبب به المستوطنون في الضفة الغربية لإجبار الفلسطينيين على الهجرة من أماكن تواجدهم إلى أماكن أخرى في داخل الوطن أو خارجه، في تكريس واضح لسياسة “حسم الصراع” ميدانياً.


وتعكس هذه الوقائع تداخلاً بين أنماط متعددة من العنف، حيث يتكامل القتل المباشر مع الترهيب المنهجي في إنتاج بيئة طاردة للحياة، تدفع الفلسطينيين نحو خيارات قسرية تحت ضغط الخوف وانعدام الأمان.


عندما تصل الأمور إلى حد يصعب الرجوع عنه، فلا بد أن نسمي الأشياء بمسمياتها؛ إن عنف المستوطنين اليوم يسمى إرهاباً منظماً، والسكوت عليه هو شراكة وتبادل للأدوار بين الحكومة الإسرائيلية والمستوطنين لتنفيذ سياسات “هندسة المكان” وتفتيت الجغرافيا الفلسطينية، مستغلين انشغال العالم بالحروب المستعرة في المنطقة.


ويظهر هذا التبادل في الأدوار من خلال ترك هامش واسع لتحركات المستوطنين على الأرض، مقابل تدخل انتقائي من قبل الجيش، بما يخلق واقعاً تتداخل فيه المسؤوليات دون أن تُلغى، ويؤدي عملياً إلى تكريس هذه السياسات على الأرض.


إن الموقف الدولي يحتم اتخاذ تدابير فورية لحماية الفلسطينيين من تغول المستوطنين والاحتلال، بما يكفل إنهاء هذا الاحتلال للأراضي الفلسطينية دون خلق ذرائع واهية؛ لأن ما يحدث اليوم ليس حاجة أمنية، بقدر ما هو قرصنة علنية للاستيلاء على الممتلكات الفلسطينية، وهو ما يضع صدقية المجتمع الدولي ومؤسساته الحقوقية على المحك أمام هذا الاختبار الإنساني والأخلاقي.


وفي هذا السياق، لا يقتصر الاختبار على إصدار المواقف أو البيانات، بل يتصل بمدى قدرة هذا النظام الدولي على ترجمة مبادئه إلى إجراءات فعلية توفر الحماية، في ظل فجوة آخذة في الاتساع بين الخطاب الحقوقي والواقع الميداني.


كما أن تتبع مسار عنف المستوطنين خلال السنوات الماضية يظهر أنه لم يعد مجرد سلوك متفرق، بل يشهد تحولات نوعية في أدواته وأهدافه، ما يعزز توصيفه كمرحلة جديدة تتسم بالتنظيم والتكثيف والارتباط المباشر بالسياسات الكبرى على الأرض.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يواجه الفلسطيني محو الهوية؟ : استراتيجية البقاء الفلسطيني.

النظام العالمي الجديد: رمال متحركة لا ثوابت فيها وعمادها المصالح

سفينة لا تنكسر: في وداع عام واستقبال وطن وشعب من الرماد يعود