غزة: حين يتحول الدم إلى رصيد سياسي

 غزة: حين يتحول الدم إلى رصيد سياسي


بقلم: مروان سلطان — فلسطين 🇵🇸

20 نيسان 2026

———————————————


مع بدء مرحلة جديدة من المفاوضات في القاهرة بين حركة حماس و”نيكولاي ميلادينوف”، الرئيس التنفيذي لما يسمى “مجلس السلام في غزة”، حول تسليم إدارة القطاع ومشروع نزع السلاح؛ تجري هذه المباحثات اليوم في ظلال واقع جيوسياسي دقيق جداً في الشرق الأوسط. فبينما يسعى الوسطاء لعقد جولة جديدة من المفاوضات الأمريكية الإيرانية، يبدو بديهياً أنه وإن غابت إسرائيل “جسداً” عن تلك المباحثات، فإنها ستكون حاضرة بقوة في كواليسها، وما زال العالم يترقب بحذر شديد ما ستؤول إليه الأمور، بين استئناف للحرب أو محاولة لإعادة الاستقرار. وإذا ما قُدّر للحرب أن تعود، فمن الواضح أن كلفتها لن تقتصر على أطرافها المباشرة، في ظل مخاطر تتجاوز الإقليم، من احتمالات اتساع رقعة المواجهة إلى سيناريوهات استخدام أسلحة غير تقليدية.


وعلى صعيد آخر، تشهد الأراضي الفلسطينية استعدادات لانتخابات هيئات الحكم المحلي المقررة في الخامس والعشرين من الشهر الجاري، في وقت تلوح فيه انتخابات الكنيست الإسرائيلي في الأفق (تشرين الأول 2026). وبالتوازي مع انطلاق محادثات لبنانية-إسرائيلية في واشنطن، تدور محادثات “يونانية-قبرصية-إسرائيلية” تهدف للحد من النفوذ التركي ومحاصرة أنقرة بعد التشنج الذي أصاب علاقاتها مع تل أبيب. إن هذا الواقع الجيوسياسي يؤكد أن المنطقة تعيش حالة من الاضطراب والالتهاب السياسي، حيث تسير المجريات فوق صفيح ساخن.


إن الأمر المقلق في الشأن الفلسطيني هو غياب أي رادع يمنع نتنياهو من الدخول في مغامرة عسكرية جديدة في غزة، متذرعاً بذرائع شتى وما أكثرها، طالما أن ذلك يحقق هدفه الرئيس في رفع أسهمه وشعبيته التي تضمن بقاءه في السلطة. فلا يوجد في الوسط السياسي الإسرائيلي “وصفة سحرية” لتحقيق ذلك،  أمضى من سفك الدم الفلسطيني؛ وهي السياسة التي انتهجها كافة رؤساء الوزراء الإسرائيليين تاريخياً لاكتساب شعبيتهم واخرهم نتنياهو الذي يدير دفتها بمهنية عالية.


ولا يمكن قراءة هذا المشهد بمعزل عن التراكم الطويل للسياسات الإسرائيلية في غزة، حيث لم تعد الحروب المتكررة أحداثاً استثنائية، بل تحولت إلى نمط إدارة دائم للصراع، يُراكم في كل جولة رصيداً دموياً جديداً يُضاف إلى سابقه، دون أفق سياسي يوقف هذا النزيف.


إن الخطورة الكامنة في المشهد الراهن لا تتوقف عند حدود الآلة العسكرية، بل تكمن في تحويل “المعاناة الغزية” إلى مادة استهلاكية في البازار الانتخابي الإسرائيلي؛ حيث يُعاد تدوير الخوف من  ما يسمى “سلاح المقاومة” لشحن الشارع اليميني، في مقابل صمت دولي مريب يكتفي بدور المتفرج خلف ستار “المفاوضات الماراثونية”. هذا التقاطع بين طموح السلطة لدى نتنياهو وبرود المجتمع الدولي ، يجعل من غزة حلقة مفرغة من الاستنزاف، حيث يُراد للفلسطيني أن يدفع ثمن التوازنات الإقليمية من دمه وأمنه واستقراره.


والمفارقة اللافتة أن هذا التوظيف السياسي للدم الفلسطيني لا يُقابل بأي ضغط جدي لتغيير الواقع، بل يجري التعامل معه كأمر واقع قابل للإدارة لا للحل، ما يكشف عن فجوة عميقة بين الخطاب الدولي الذي يتحدث عن الاستقرار، والممارسة الفعلية التي تكتفي بإدارة الأزمات وإطالة أمدها.


إن قضية “سلاح حماس” —بصرف النظر عن فاعليته أو طبيعته— ستظل الذريعة الرئيسة لشن هجمات على غزة، خاصة في ظل تمسك الحركة برؤيتها في موضوع نزع سلاحها. وفي حال أقدم نتنياهو على هذه الحماقة، فإن الضحايا سيكونون بالمئات، ولربما بالآلاف، دون أن يرتفع صوت يحاسب إسرائيل، وسط انشغال العالم بحروب كبرى أخرى مستعرة في المنطقة.


والمؤلم حقاً أن دماء الغزيين تسيل يومياً ، بحجج مختلفة من قبل الاحتلال الاسرائيلي دون أن يلتفت إليها العالم، وفي ظل “مجلس السلام العالمي” الذي لم يباشر مهامه فعلياً بعد لإحلال السلام الذي يتوق إليه الفلسطينيون؛ لكن على الجميع أن يدرك أن السلام الذي يُبنى على أنقاض السيادة لا يُسمى سلاماً بل استسلاماً. وفي هذا السياق، لا تبدو غزة مجرد ساحة صراع، بل مساحة اختبار دائمة لحدود الفعل الدولي، حيث يُقاس ما يمكن احتماله من عنف دون أن يستدعي تغييراً حقيقياً في قواعد الاشتباك السياسية. وستبقى غزة دائماً هي “الترمومتر” الذي يقيس به الضمير الإنساني ما تبقى من عروبته وإنسانيته.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يواجه الفلسطيني محو الهوية؟ : استراتيجية البقاء الفلسطيني.

النظام العالمي الجديد: رمال متحركة لا ثوابت فيها وعمادها المصالح

سفينة لا تنكسر: في وداع عام واستقبال وطن وشعب من الرماد يعود