سقط أوربان في المجر… هل يواجه نتنياهو، حليفه الأبرز، المصير ذاته؟.
سقط أوربان في المجر… هل يواجه نتنياهو، حليفه الأبرز، المصير ذاته؟.
رقص المجريون في الشوارع وهتفوا الحرية لفلسطين.
بقلم: مروان سلطان - فلسطين 🇵🇸
15.4.2026
————————————
ملخص المقال:
يُعد سقوط فيكتور أوربان بعد 16 عاماً من الحكم تحولاً يتجاوز الحدود المجرية، حيث يمثل تصدعاً لنموذج "الديمقراطية اللاليبرالية" تحت وطأة الأزمات الاقتصادية والضغوط الأوروبية. لم يقتصر أثر هذا السقوط على الداخل، بل امتد ليفقد الاحتلال الإسرائيلي حليفاً استراتيجياً كان يعطل المواقف الأوروبية الضاغطة ضده، وهو ما تجلى بوضوح في هتافات التضامن مع فلسطين التي صدحت في بودابست تزامناً مع رحيله. إن هذا الحدث يضع العالم أمام تساؤل جوهري حول ما إذا كان يمثل بداية لنهاية هذا النمط من الحكم عالمياً أم أنه مجرد حالة استثنائية، لكنه في كل الأحوال يؤسس لتحولات سياسية وأخلاقية أعمق في المشهد الدولي
**************************
إن من لا يسمع قرع اجراس التغيير نحو انتصار الديمقراطية، لهو أصمٌّ عن حركة التاريخ. ولا يجب أن يتفاجأ نتنياهو وزمرته عندما يرى الشعوب ترقص فرحاً بسقوط الطغاة؛ فالمجريون الذين نزلوا إلى الشوارع وهم يهتفون "الحرية لفلسطين"، أثبتوا أن معركة الحرية واحدة لا تتجزأ، وأن الشعوب التي عزمت على كسر قيد الدكتاتورية في أوروبا، هي ذاتها التي تناصر حقوق الشعوب المظلمة في كل مكان ، لقد سقط الدكتاتور، والبقية تأتي.
سقط رئيس وزراء المجر، فيكتور أوربان، بعد أكثر من ستة عشر عاماً من الهيمنة السياسية المتواصلة منذ عودته إلى الحكم عام 2010، في تجربة حكم مثّلت نموذجاً لما بات يُعرف بالشعبويون ، او بـ “الديمقراطية اللاليبرالية”؛ وهي صيغة حكم تُبقي على الشكل الانتخابي، لكنها تُفرغ مضمونه عبر تقويض استقلال القضاء، وإضعاف الإعلام، وإعادة تشكيل مؤسسات الدولة بما يضمن استمرارية السلطة.
لم يكن بقاء أوربان طوال هذه السنوات محض صدفة، بل استند إلى معادلة مركبة جمعت بين الخطاب القومي، والسيطرة التدريجية على مفاصل الدولة، والاستفادة من التناقضات داخل الاتحاد الأوروبي. غير أن هذه المعادلة بدأت تتآكل تحت وطأة الضغوط الاقتصادية، وتصاعد الانتقادات الأوروبية، وتبدلات المزاج الشعبي، إلى أن جاءت لحظة الانتخابات التي أنهت هذا المسار.
شكّل سقوط أوربان تحولاً مهماً في علاقة المجر مع الاتحاد الأوروبي، حيث يُتوقع أن يفتح المجال أمام تخفيف حدة التوتر التي طبعت هذه العلاقة لسنوات، خاصة أن أوربان كان أحد أبرز معارضي السياسات الأوروبية، سواء في ما يتعلق بالعلاقة مع روسيا وأوكرانيا، أو في الملفات المالية والسياسية داخل الاتحاد. وقد عبّر بعض المحللين الأوروبيين عن ذلك بوضوح، معتبرين أن غيابه قد يُنهي نمطاً من “العرقلة المنهجية” التي ميّزت سلوك بودابست في السنوات الأخيرة.
في السياق الأوسع، لا يمكن فصل تجربة أوربان عن شبكة علاقاته الدولية، التي شملت تقاطعات واضحة مع كل من دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو. فقد لعبت المجر في عهده دوراً خاصاً داخل الاتحاد الأوروبي في الحد من أي إجراءات أوروبية ضاغطة على إسرائيل، سواء عبر تعطيل قرارات، أو تخفيف لهجتها. كما وفّر هذا التقارب غطاءً سياسياً لتحركات إسرائيل في المحافل الدولية، في لحظة كانت تتعرض فيها لانتقادات متزايدة على خلفية سياساتها في فلسطين.
ضمن هذا الإطار، تبرز دلالة سقوط أوربان ليس فقط كتحول داخلي، بل كإشارة تستدعي التوقف عندها في قراءة مستقبل هذا النمط من التحالفات السياسية. فالسؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل نحن أمام بداية تراجع في نفوذ التيار الشعبوي اليميني الذي شكّل أوربان أحد أبرز وجوهه، أم أن ما جرى يظل حالة خاصة فرضتها ظروف داخلية مجرية؟
الربط مع الحالة الإسرائيلية يظل قائماً من حيث التشابه في بعض الأدوات والخطابات، لكن نتائجه ليست بالضرورة متطابقة. ومع ذلك، فإن فقدان نتنياهو لحليف أوروبي بهذا الوزن، كان يوفر له هامش حركة داخل الاتحاد الأوروبي، لا يمكن اعتباره تطوراً هامشياً، خاصة في ظل التحديات السياسية التي يواجهها داخلياً وخارجياً.
وفي مشهد لافت رافق نتائج الانتخابات، شهدت بعض شوارع بودابست احتفالات شعبية تخللتها هتافات تضامن مع فلسطين، في دلالة تتجاوز الحدث المحلي، وتعكس حضور القضية الفلسطينية في الوعي الشعبي العالمي، حتى في سياقات بعيدة جغرافياً عن مركز الصراع.
إن سقوط تجربة سياسية بحجم تجربة أوربان يطرح تساؤلات أعمق من مجرد تداول للسلطة؛ فهو يعيد فتح النقاش حول قدرة الأنظمة التي تُقيد الديمقراطية من داخلها على الاستمرار، وحول الشروط التي تجعل لحظة التغيير ممكنة بعد سنوات من الإحكام والسيطرة.
وفي هذا السياق، قد لا تكون المسألة في حتمية سقوط هذا النموذج أو ذاك، بقدر ما هي في فهم التحولات التي تطرأ على المجتمعات، والتي تجعل من الاستمرار في النهج ذاته أمراً أكثر صعوبة مع مرور الوقت. وهي تحولات، إن لم تُقرأ جيداً، قد تبدو مفاجئة حين تقع، رغم أن مقدماتها كانت تتراكم بهدوء.
إن الدرس المستفاد هنا هو أن الشعوب قد تصبر، لكنها لا تنسى. إن الدكتاتوريات التي تحاصر الأمل وتقمع الحريات تبني قصوراً من رمال، وعندما تدق أجراس التغيير، تنهار هذه القصور أمام إرادة الجماهير.

تعليقات
إرسال تعليق