الشعوب التي ترفض الانكسار هي من سترسم في النهاية وجه المنطقة الحقيقي.
نحن لا نشوه سمعتكم.. نحن نصفكم كما أنتم
الشعوب التي ترفض الانكسار هي من سترسم في النهاية وجه المنطقة الحقيقي.
ملخص:
لم يعد الحديث عن “أخلاقية” الاحتلال مقنعاً كما في السابق.
تصريحات أوروبية متصاعدة، وتقارير دولية متواترة، وتحولات في الرأي العام العالمي، كلها تشير إلى تآكل السردية التي طالما قدمت إسرائيل كـ”ضحية”.
ما يجري اليوم في فلسطين والمنطقة لم يعد يُقرأ كدفاع عن النفس، بل كنمط متكرر من استخدام القوة لفرض واقع سياسي بالقوة، وسط دعم دولي واضح، خصوصاً من الإدارة الأمريكية الحالية.
استهداف المدنيين، وتدمير البنى التحتية، لم يعد يُنظر إليه كأخطاء عسكرية، بل كنهج ممنهج وثقته تقارير حقوقية وأممية.
ورغم ذلك، يبقى العامل الحاسم خارج حسابات القوة: صمود الإنسان على أرضه.
فالتاريخ لا يكتبه الأقوى، بل من يثبت في وجه محاولات الإلغاء
في النهاية، الشعوب التي ترفض الانكسار، هي وحدها من سترسم ملامح المستقبل.
بقلم: مروان سلطان - فلسطين 🇵🇸
13.4.2026
—————————————————
بهذه الكلمات القاطعة، جاء رد الوزيرة الإسبانية، سيرا ريغو، على اتهامات رئيس وزراء الاحتلال بأن إسبانيا تشوه سمعة الجيش الإسرائيلي الذي يزعم “أنه الجيش الأكثر أخلاقاً في العالم”. فكان ردها الذي هز الأوساط السياسية: “نحن لا نشوه سمعتكم، بل نصفكم كما أنتم؛ أنتم نظام إبادة وجريمة، وستمثلون جميعاً أمام المحكمة الجنائية الدولية”.
هنا نستذكر في هذا السياق إن استدعاء المحاكم الدولية هنا ليس مجرد إجراء قانوني بارد، بل هو إعلان عالمي صريح عن سقوط “السردية الأخلاقية” التي تغنى بها الاحتلال لعقود، وتحولها إلى وصمة عار تطارد مرتكبيها في كل المحافل، مؤكداً أن العالم لم يعد يشتري الأكاذيب المغلفة برداء الضحية. ولم يعد هذا الخطاب حبيس المواقف الفردية، بل بدأ يتسلل إلى مؤسسات القرار في أوروبا، وإلى تقارير المنظمات الدولية، وحتى إلى الشارع الغربي، في تحول يعكس تآكل الرواية التي طالما قدمت الاحتلال بوصفه ضحية لا فاعلًا.
العالم اليوم بات يعي، من خلال مواقف الشارع الدولي ودول أوروبية متقدمة، ومن خلال تقارير أممية وحقوقية متواترة، الحقائق التي تظهر عليها دولة الاحتلال من توحش في استهداف المدنيين، على مختلف الجبهات التي أشعلها نتنياهو في منطقة الشرق الأوسط. توحش يتجاوز الحدود، وخرائط تُرسم بالدم، في محاولة يائسة لإعادة ما يسمى “تغيير وجه الشرق الأوسط”.
لقد أدركت قطاعات واسعة من المجتمع الدولي أن هذه الحروب وهذا الحجم الهائل من الضحايا لا يمكن تفسيره ضمن سردية “الدفاع عن النفس”، بل يعكس نمطاً متكرراً من استخدام القوة لفرض وقائع سياسية بالقوة. وللأسف، يتم ذلك في ظل دعم سياسي واضح من الإدارة الأمريكية الحالية برئاسة الرئيس ترامب. وفي هذا السياق، كشف وزير الخارجية الأسبق جون كيري أن نتنياهو حاول مراراً إقناع ثلاثة رؤساء أمريكيين (بايدن، أوباما، وبوش) بشن حرب معه على إيران، إلا أنه قوبل بالرفض، قبل أن يجد انسجاماً أكبر مع توجهات الإدارة الحالية نحو التصعيد.
إن ما يجري لا يمكن فصله عن سياق أوسع من إعادة تشكيل موازين القوة في المنطقة، حيث تتقاطع الحروب والتدخلات في أكثر من ساحة، بما يعكس نمطاً متكرراً من السعي لفرض الهيمنة تحت عناوين مختلفة. ويحضر هنا ما نُسب إلى هنري كيسنجر من تحذيرات مبكرة حول صراعات الشرق الأوسط، والتي تعكس إدراكاً عميقاً لطبيعة التحولات التي قد تعيد رسم خرائط النفوذ في المنطقة، ليس كنتيجة طارئة، بل كمسار يتشكل عبر الزمن.
يسقط الضحايا المدنيين اليوم بسبب الحروب المستمرة والمفتوحة بالآلاف بين شهيد وجريح، ومعظمهم من الأطفال والنساء والشيوخ في فلسطين، ولبنان، والعراق، واليمن. وعندما يتضمن “بنك الأهداف” تدمير المستشفيات، والمدارس، ومحطات المياه، ومؤسسات المجتمع المدني، فإننا لا نتحدث عن أخطاء عسكرية، بل عن نمط موثق في تقارير أممية وحقوقية يشير إلى توحش ممنهج، يهدف إلى تحويل الحياة اليومية إلى جحيم، وكسر إرادة الشعوب، وفرض واقع التهجير القسري، بما يعكس تحول الإبادة إلى نهج ممنهج.
هنا، تغيب الأخلاق تماماً ويحل محلها منطق القوة الغاشمة. وتظل غزة الشاهد الأكبر والمثال الحي على هذا السقوط الأخلاقي المروع. ولكن، ورغم كل هذا الدمار والدعم الدولي اللامحدود للآلة العسكرية، يبقى صمود الإنسان على أرضه هو العامل الذي لم تأخذه كل هذه الحسابات بعين الاعتبار؛ فالتاريخ في نهاية المطاف لا يكتبه الأقوى عسكرياً، بل يكتبه من يبقى صامداً على أرضه.
إن المشهد اليوم يتجاوز كونه صراعاً عسكرياً؛ إنه اختبار حقيقي للقيم والأخلاق، وامتحان لضمير الإنسانية أمام غطرسة القوة. وإذا كان صوت الوزيرة الإسبانية قد عبّر بوضوح عن بداية تحول في اللغة السياسية داخل بعض الدوائر الدولية، فإن هذا التحول مرشح لأن يتسع كلما اتضحت الحقائق أكثر. وفي نهاية المطاف، لن تُبنى خرائط “الشرق الأوسط الجديد” فوق ركام المدارس والمستشفيات كما يتوهمون، فالحقوق التي تُسقى بالدماء لا تموت، والشعوب التي ترفض الانكسار هي من سترسم في النهاية وجه المنطقة الحقيقي.


تعليقات
إرسال تعليق