سيكولوجية القلعة: كيف تُبقي إسرائيل المنطقة في حالة صراع دائم

سيكولوجية القلعة: كيف تُبقي إسرائيل المنطقة في حالة صراع دائم

ملخص:

هل الصراع في الشرق الأوسط مجرد صراع حدودي… أم أنه يُدار وفق هندسة أعمق؟

في هذا المقال، أتناول فكرة “سيكولوجية إبقاء المنطقة في حالة توتر دائم، حيث يتحول العداء إلى أداة سياسية تُستخدم لإدارة الصراع لا إنهائه.

كيف تُوظَّف الأزمات؟ ولماذا يُعاد إنتاج الأعداء؟ وما علاقة ذلك بتماسك الداخل الإسرائيلي وتشكيل وعيه؟

قراءة تحاول تفكيك هذا النمط، وربطه بالسياق الإقليمي والدولي، وصولاً إلى سؤال جوهري: هل يمكن لمنطقة تُدار بالفوضى أن تصل إلى استقرار حقيقي؟.


بقلم: مروان سلطان – فلسطين 🇵🇸

14.4.2026

————————————

من الواضح عند قراءة المشهد العام في الشرق الأوسط، أن الدور الذي تلعبه دولة الاحتلال يتجاوز كونه صراعاً حدودياً، ليبرز كدور وظيفي بامتياز ضمن استراتيجية أوسع لإعادة صياغة المنطقة، واهداف اخرى. فما يُطرح من مفاهيم، وعلى رأسها “الفوضى الخلاقة”، تبدو فيه هذه الدولة في موقع “رأس الحربة”؛ إذ إن إخضاع المنطقة، وإضعافها، واستنزافها، وخلق بؤر التوتر والنزاعات فيها، يشكل مساراً سياسياً ونفسياً يخدم إعادة هندسة الإقليم بما يتوافق مع مصالح القوى المهيمنة.


هذا التصور لا يقوم على فعل منفرد، بل يتقاطع مع منظومة أوسع من الفاعلين الدوليين، غير أن وظيفة إسرائيل فيه تبدو أكثر التصاقاً بإدارة التوترات وتغذيتها، بما يضمن إبقاء المنطقة في حالة سيولة دائمة تعيق تشكل توازنات مستقرة أو مشاريع سيادية مستقلة.


المخطط يقتضي أن تأتي دول المنطقة ضمن نظام إقليمي جديد، تُستبدل فيه الحقوق السياسية والتاريخية بمشاريع اقتصادية وأطر أيديولوجية يُعاد تشكيلها. وفي هذا السياق، يُصنّف كل من يقف في وجه هذا المسار كـ”عدو”، بما يبرر استهدافه أو تحجيمه، لضمان غياب أي قوة قادرة على تعطيل هذه الهندسة.


لقد كشف تسلسل الوقائع منذ عام 1948 أن فكرة “السلام” لم تكن في يوم من الأيام خياراً استراتيجياً عميقاً بقدر ما كانت أداة مرحلية تُستخدم عند الحاجة. فبدلاً من تثبيت معادلة “الأرض مقابل السلام”، جرى تكريس نمط قائم على “إدارة الصراع” و”إنتاج الأعداء”. هذه السياسة لا تنفصل عن حاجة بنيوية؛ إذ إن استمرار حالة التوتر يوفر مبررات الدعم الخارجي، ويعيد إنتاج التماسك الداخلي.


وفي هذا الإطار، تتشكل ما يمكن تسميته بـ”سيكولوجية القلعة”، حيث يُعاد تشكيل وعي المجتمع على أساس تهديد دائم، بما يدفعه للالتفاف حول السلطة السياسية، وتغليب الاعتبارات الأمنية على أي نقاش داخلي آخر. وقد انعكس ذلك بوضوح في قدرة القيادة السياسية، وفي مقدمتها نتنياهو، على إعادة توجيه الأزمات الداخلية نحو الخارج، بما يضمن استمرار حالة الاستنفار.


ولا يمكن إغفال أن أزمات عدد من دول المنطقة، كالعراق، سوريا وليبيا والسودان، قد وفّرت بيئات رخوة لتغذية هذا النمط من إدارة الصراع، سواء بشكل مباشر أو ضمن تداخلات إقليمية ودولية أوسع، مما ساهم في إطالة أمد الأزمات وتعقيد مسارات حلها.


وفي سياق متصل، برزت حديثامشاريع مثل “التهجير، توسيع حدود اسرائيل” التي قوبلت بمواقف رافضة من دول محورية كالأردن ومصر والسعودية، ، رغم ما تعرضت له من ضغوط. كما أن الطروحات التوسعية التي روّجت لها دوائر في اليمين الإسرائيلي، تكشف عن نزعة لإعادة تعريف الجغرافيا السياسية بما يتجاوز حدود الصراع التقليدي.


أما التوتر مع إيران، فيمكن قراءته ضمن هذا السياق الممتد، حيث لا يقتصر على الملف النووي بحد ذاته، بل يتصل بإعادة ترتيب موازين القوى في الإقليم. ويتقاطع ذلك مع تنافس دولي أوسع، تتداخل فيه حسابات القوى الكبرى، ما يجعل من الصعب عزله عن مشهد دولي أكثر تعقيداً دون القفز إلى استنتاجات حتمية أو مسارات مغلقة. كما يمكن فهم هذا التوتر في إطار أوسع يسهم في استنزاف الإقليم، وفتح مسارات نزاع ذات طابع أيديولوجي وسياسي، تُرهق الدول والمجتمعات على حد سواء.


ورغم ما أحدثته هذه السياسات من تدمير واسع، فإنها أفرزت في المقابل تحولات ملحوظة على مستوى الرأي العام الدولي؛ إذ شهدت عواصم غربية حراكاً شعبياً متزايداً، وتزايدت الأصوات التي تعيد النظر في طبيعة هذا الصراع وحدوده. وحتى داخل بعض التيارات السياسية في الولايات المتحدة، ومن بينها حركة “ماجا” التي تُعد من أبرز داعمي الرئيس ترامب، بدأت تظهر مواقف أكثر تحفظاً تجاه الدعم غير المشروط، في مؤشر يعكس بداية تآكل بعض المسلمات التقليدية.


ختاماً، تبدو إسرائيل غير مهيأة بنيوياً للاندماج كدولة طبيعية في محيطها، لأن هذا الاندماج يقتضي اعترافاً متبادلاً بالحقوق والسيادة، وهو ما يتعارض مع دورها القائم على إدارة التفتيت والتوتر. وبينما تحاول القفز فوق جوهر القضية الفلسطينية عبر مسارات بديلة، يبقى واضحاً أن أي مشروع إقليمي لا يستند إلى العدالة وإرادة الشعوب، سيظل عرضة للاهتزاز. وفي هذا السياق، تستمر حالة العداء كخيار يُعاد إنتاجه، لا كقدر مفروض، بما يعكس إشكالية عميقة في تصور الأمن والاستقرار في المنطقة، حيث يُنظر إلى السلام، في بعض التصورات الحاكمة، بوصفه تهديداً لبنية هذا الكيان أكثر من كونه مخرجاً له


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يواجه الفلسطيني محو الهوية؟ : استراتيجية البقاء الفلسطيني.

النظام العالمي الجديد: رمال متحركة لا ثوابت فيها وعمادها المصالح

سفينة لا تنكسر: في وداع عام واستقبال وطن وشعب من الرماد يعود