الانتخابات الفلسطينية بين منطق التنظيم وصعود العشائرية

 الانتخابات الفلسطينية بين منطق التنظيم وصعود العشائرية

بقلم: مروان سلطان - فلسطين 

12.4.2026

—————————————-

ملخص:

تشكل الانتخابات ركيزة أساسية لأي نظام ديمقراطي، لكن التجربة الفلسطينية، رغم امتدادها لعقود، لم تنجح في ترسيخ تقليد انتخابي مستقر، بفعل الاحتلال والانقسام الداخلي.ه

في مراحل سابقة، قادت الفصائل العمل الانتخابي بروح وطنية وبرامجية، وكان المرشح يُنظر إليه كقيمة نضالية جامعة. أما اليوم، ومع تراجع دور التنظيم وضعف الثقة بالمؤسسات، برزت العشائرية كلاعب مؤثر في توجيه النتائج، في ظل غياب معايير واضحة للكفاءة والمساءلة.

المشكلة لا تكمن في العشيرة كإطار اجتماعي، بل في تحولها إلى بديل عن العمل السياسي المنظم، بما يهدد بتحويل الانتخابات من تنافس برامجي إلى اصطفافات ضيقة.

استعادة المسار تتطلب إعادة الاعتبار للمؤسسة الوطنية، وتعزيز ثقافة الكفاءة والبرامج، حتى لا تتحول الديمقراطية إلى أداة لإعادة إنتاج الانقسام بدل معالجته.

——————————————-



دون أدنى شك، تُعد الانتخابات الركيزة الأساسية لتحقيق مبدأ الديمقراطية، وتكريس تداول السلطة في إدارة دفة العمل العام في مختلف المواقع الاجتماعية والسياسية. وهي تساهم بفاعلية في تعزيز مبدأ الشرعية، ومفاهيم الشفافية، والمساءلة، والحكم الرشيد، علاوة على دورها في ضخ دماء جديدة في مفاصل العمل العام.


إن التجربة الفلسطينية في العمل الانتخابي تمتد لعقود طويلة رغم تعثر إجرائها بسبب سياسات الاحتلال ومعيقاته؛ حيث خاض الفلسطينيون استحقاقات انتخابية متعددة لاختيار ممثليهم في إدارة المؤسسات الوطنية، سواء في المجلس التشريعي، أو الرئاسة الفلسطينية التي جرت في عهد السلطة الوطنية، أو في هيئات الحكم المحلي، والغرف التجارية الصناعية، ومنظمات المجتمع المدني. وقد جرت هذه الانتخابات في عهود تاريخية مختلفة، شملت الانتداب البريطاني، والعهدين الأردني والمصري، وحتى في ظل الاحتلال الإسرائيلي. غير أن هذه التجارب، وعلى أهميتها، لم تتراكم بالشكل الكافي لتأسيس تقليد ديمقراطي مستقر، نتيجة الانقطاعات السياسية والانقسام الداخلي، الأمر الذي أضعف من قدرتها على ترسيخ نموذج انتخابي مستدام.


لعبت حركة “فتح” وفصائل العمل الوطني دورا محوريا في تنظيم وقيادة العملية الديمقراطية في مراحل تاريخية مختلفة، لا سيما إبان الاحتلال الإسرائيلي وصولا إلى قدوم السلطة الوطنية إلى الضفة الغربية وقطاع غزة. في تلك الحقبة، كان يُنظر إلى المرشحين بوصفهم هامات وطنية تحتل مكانة مرموقة في العمل النضالي، بل كانوا يمثلون وحدة الشعب الفلسطيني في الداخل والشتات، ويشكلون ذراعا وطنيا لمنظمة التحرير الفلسطينية التي أخذت على عاتقها تمثيل الشعب الفلسطيني والسعي نحو إقامة دولته المستقلة. غير أن هذا الدور أخذ يتراجع تدريجيا مع تعقيدات المرحلة السياسية وتبدل أولويات العمل الوطني، ما أفسح المجال لتحولات عميقة في طبيعة العمل الانتخابي.


كان من المفترض أن تضع السلطة الوطنية معايير دقيقة للمواقع التي تتنافس عليها النخب الفلسطينية، إلا أن إبقاء الصفات المطلوبة للمنافسة في إطارها العام ساهم في تقليص قيمة بعض المواقع؛ حيث بات البعض يرى في نفسه الأهلية لتبوؤ مناصب قيادية دون سند كاف من الكفاءة. ويتجلى ذلك في غياب اشتراطات واضحة تتعلق بالخبرة الإدارية، أو تقديم برامج انتخابية قابلة للتقييم، أو وجود آليات فعالة للمساءلة بعد الفوز. فعلى سبيل المثال، فإن منصب رئيس البلدية —الذي يمثل “عمدة” المدينة— بات مطمعا للكثيرين، إما لغياب المعايير الواضحة، أو لاعتقاد البعض أن الوجاهة الاجتماعية والمكانة العشائرية تشكل المؤهل الأبرز لهذا الموقع، وهي ظواهر لم تتم معالجتها بالشكل المطلوب. والبعض يرى ان المناصب خلقت لشخصه الكريم وكل هذا وذاك بسبب غياب المعايير التي تضع حدا لذلك.


أما اليوم، وفي ظل حالة الضعف والترهل الذي أسهمت فيه سياسات الاحتلال عبر حصار السلطة الفلسطينية والمدن والقرى، فقد أصاب بعض فصائل العمل الوطني، برزت “العشائرية” كلاعب رئيسي في دعم المرشحين. وهذا التحول لم يأت من فراغ، بل يعكس تراجعا في الثقة بالأطر التنظيمية، ووجود فراغ سياسي ملأته البنى الاجتماعية التقليدية. ويعد هذا التطور من أخطر التحديات التي تواجه المصير الفلسطيني، كونه يتقاطع مع الطروحات التي يسعى الاحتلال إلى تعزيزها عبر إحياء أدوار بديلة لإدارة الشأن العام، خاصة في ظل محاولاته المستمرة لتضييق الخناق على عمل المؤسسة الوطنية.


هنا تكمن المخاطر؛ فقد فتحت العشائر دواوينها لدعم أبنائها المرشحين والمؤازرة، وانحسر دور التنظيم السياسي ليقتصر على “المباركة” والمؤازرة لمن يحظى بدعم العشيرة بغض النظر عن مؤهلاته للمواقع العامة، وهو أمر غير مقبول، لتنظيم كان يسخر إمكانياته لخدمة مرشحيه الأكفاء. كان الأجدر أن تكون العشائر داعمة لتوجه التنظيم، وأن تتكامل الأدوار بما يعزز وصول الكفاءات القادرة على خدمة الصالح العام، لا أن يُعاد إنتاج الانتماءات الضيقة على حساب البعد الوطني والبرامجي. فالعصبية القبلية هي ما حذر منه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم حين قال: “دعوها فإنها منتنة”.


إن الخروج من مأزق “العشائرية السياسية” لا يتأتى بالهجوم على العشيرة ككيان اجتماعي أصيل ومحترم، بل عبر استعادة هيبة المؤسسة الوطنية، وتفعيل الأطر الفصائلية برؤى عصرية تحاكي تطلعات الشباب، وتُعلي من شأن البرامج السياسية والخدماتية لتأخذ مكانها الطبيعي في إدارة الشأن العام. إننا بحاجة ماسة إلى عقد اجتماعي يعيد الاعتبار للكفاءة المهنية والنزاهة، ويؤسس لبيئة انتخابية قائمة على التنافس البرامجي، بما يضمن عدم انزلاق التجربة الديمقراطية إلى محاصصة عائلية تضعف النسيج الوطني. وإلا فإننا سنكون أمام واقع انتخابي يعيد إنتاج الانقسام الاجتماعي بدل أن يعالجه، ويمنح القوى المتربصة فرصة التسلل إلى بنية المجتمع من حيث لا ندري.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يواجه الفلسطيني محو الهوية؟ : استراتيجية البقاء الفلسطيني.

النظام العالمي الجديد: رمال متحركة لا ثوابت فيها وعمادها المصالح

سفينة لا تنكسر: في وداع عام واستقبال وطن وشعب من الرماد يعود