من 11 سبتمبر إلى 7 أكتوبر: كيف تُعاد صياغة الشرق الأوسط تحت وطأة الصدمات
من 11 سبتمبر إلى 7 أكتوبر: كيف تُعاد صياغة الشرق الأوسط تحت وطأة الصدمات
بقلم: مروان سلطان — فلسطين 🇵🇸
30.4.2026
—————————————————
لا تبدو الصدمات الكبرى في التاريخ مجرد لحظات عابرة، بقدر ما تتحول إلى نقاط انعطاف يُعاد من خلالها تعريف العالم من حولها. وفي الشرق الأوسط، تحديدًا، لا يمكن قراءة التحولات التي شهدتها المنطقة خلال العقدين الماضيين دون التوقف عند الكيفية التي جرى فيها توظيف هذه الصدمات، وإعادة إنتاجها سياسيًا وأمنيًا.
في هذا الإطار، شكّلت أحداث كل من الحادي عشر من سبتمبر 2001 ، والسابع من اكتوبر لحظة تأسيسية، لم تقتصر آثارها على الداخل الأمريكي والاسرائيلي، بل امتدت لتفتح مسارًا طويلًا من إعادة تشكيل المنطقة، تحت عناوين متعددة، كان أبرزها ما سُمّي بـ”الشرق الأوسط الجديد”.
فتحت هذه العملية شهية الولايات المتحدة، ومعها إسرائيل، على مشاريع جديدة في الشرق الأوسط تحت عنوان “محاربة الإرهاب”، وإعادة تشكيل المنطقة، وطرح سيناريوهات لتغيير أنظمة مناوئة، ودمج إسرائيل إقليميًا، وإعادة الاعتبار للحلفاء، مع الإبقاء على أدوات النفوذ وتوسيع القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة.
في الولايات المتحدة، اثر الحادي عشر من سبتمبر سمح الرئيس الأمريكي آنذاك جورج بوش الابن لشخصيات متنفذة ومراكز بحثية بتقديم رؤاها في ما سُمي بمحاربة الإرهاب في الشرق الأوسط، الأمر الذي أفسح المجال أمام هذه الدوائر لطرح مشاريع سياسية لإعادة تشكيل المنطقة، دون وضوح كافٍ في مآلات ما بعد الحروب داخل دول الشرق الأوسط.
وقد اختير العراق بداية لتنفيذ هذا التوجه، ثم أفغانستان، وتعرض النظام الإقليمي العربي لاهتزازات عميقة امتدت إلى شمال أفريقيا والسودان، حيث عمت الفوضى في مناطق عدة ضمن ما عُرف بـ”الفوضى الخلاقة”.
ما بعد 11 سبتمبر، والسابع من اكتوبر لم ينتج سيناريو واحدًا متماسكًا، بقدر ما أطلق مسارًا طويلًا لإعادة تعريف المنطقة؛ من تدخل مباشر وخشن، إلى إدارة معقدة للصراعات، مع إبقاء التفوق الاستراتيجي الأمريكي الاسرائيلي وضمان أمن إسرائيل كمرتكز ثابت.
وفي كل مرة، لا تكون الصدمة نهاية حدث، بل بداية مسار جديد، تُعاد فيه صياغة الوقائع بما ينسجم مع موازين القوى القائمة، ويُعاد توجيه بوصلة الفعل السياسي والأمني على مستوى المنطقة. ولعل من أبرز الأمثلة على ذلك، ما جرى داخل الولايات المتحدة نفسها بعد 11 سبتمبر، حيث أُقر “قانون باتريوت” الذي وسّع بشكل غير مسبوق صلاحيات الأجهزة الأمنية والاستخباراتية، تحت عنوان حماية الأمن القومي. وقد عكس هذا التحول كيف يمكن لحدث صادم أن يعيد تعريف العلاقة بين الأمن والسياسة، ويفتح المجال أمام إجراءات ما كانت لتُقبل في ظروف عادية.
ويُطرح هنا السؤال: هل شكّلت 11 سبتمبر لحظة تأسيسية أعادت تعريف كيفية تعامل الولايات المتحدة مع المنطقة؟ وهل جرى توظيف أحداث كبرى لاحقة، كالربيع العربي و7 أكتوبر، داخل هذا الإطار؟.
من المؤكد أن الربيع العربي بدأ كحراك شعبي حقيقي نتيجة الأوضاع الاقتصادية المتردية، وانتشار الفساد، وقمع الأنظمة. لكن، وفي لحظة فارقة، جرى توظيف مجريات الأحداث في بعض الساحات، فتحولت إلى ساحات صراع إقليمي ودولي، ومساحات لإعادة رسم موازين القوى. ولم يكن هذا التحول نتيجة عامل واحد، بل جاء نتيجة تداخل عوامل داخلية مأزومة مع تدخلات خارجية وجدت في تلك اللحظة فرصة لإعادة توجيه مسار الأحداث، بما يخدم إعادة رسم التوازنات الإقليمية.
أما السابع من أكتوبر 2023، فيمكن قراءته كصدمة جديدة في سياق ممتد، أعادت ترتيب الأولويات الأمنية والعسكرية، ووفرت مبررات لسياسات أكثر حدّة، خصوصًا في قطاع غزة تحديدا، والضفة الغربية عموما.
وبغض النظر عن كيفية نشوء هذه الأحداث أو الجهات التي تقف خلفها، فإن طريقة التعامل معها تكشف نمطًا متكررًا في توظيف الصدمات الكبرى، بحيث تتحول إلى مدخل لإعادة تعريف الأولويات، وتبرير سياسات ذات تأثير عميق وطويل المدى في المنطقة.
وبين هاتين المحطتين، تتكشف ملامح مسار طويل، لا تحكمه الأحداث بقدر ما تحكمه طريقة استثمارها، حيث تتكرر الصدمة، ويتكرر معها السعي لإعادة إنتاج واقع سياسي وأمني جديد. ما بين 11 سبتمبر و7 أكتوبر، لا تبدو المنطقة وكأنها انتقلت من مرحلة إلى أخرى، بقدر ما ظلت تتحرك داخل المسار ذاته؛ صدمات كبرى تعيد تعريف الواقع، وتفتح المجال أمام إعادة ترتيبه مرة بعد أخرى. وفي ظل الحروب الدائرة اليوم على أكثر من جبهة، يمكن قراءة ما يجري بوصفه امتدادًا لهذا المسار، حيث تبقى المنطقة عرضة لإعادة التشكيل كلما توفرت اللحظة المناسبة لذلك.

تعليقات
إرسال تعليق