الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران: بين تمدد النفوذ والسيطرة على النفط وصناعة الفوضى

الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران: بين تمدد النفوذ والسيطرة على النفط وصناعة الفوضى


بقلم: مروان سلطان — فلسطين 🇵🇸

28.3.2026

—————————————————

في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، تتقدم الحرب على إيران كعنوان لصراع أوسع، تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع رهانات النفوذ، بما يضع المنطقة أمام احتمالات مفتوحة على إعادة تشكيل عميقة.


تلاقت المصالح الإسرائيلية الأمريكية في شن الحرب على إيران، التي شكلت لسنوات ضامنا للتوجهات الدولية بوصفها قوة مانعة في الحزام الشمالي للوطن العربي. وقد استمرت هذه المعادلة إلى أن جاء الاتفاق السعودي الإيراني برعاية صينية، محدثا انفراجة في العلاقات العربية الإيرانية.


ورغم اختلاف الأهداف بين الولايات المتحدة وإسرائيل، إلا أن تقاطعهما يبدو واضحا عند نقطة مركزية، تتمثل في إعادة هندسة الشرق الأوسط، عبر تحجيم الدور الإيراني وتوسيع النفوذ الإسرائيلي، بما يسمح لإسرائيل بلعب دور يتجاوز حدودها الجغرافية نحو أبعاد جيوسياسية أوسع، وملء أي فراغ قد ينشأ بعد انتهاء الحرب. في المقابل، تسعى الولايات المتحدة إلى تثبيت سيطرتها على المنافذ البحرية وإمدادات النفط في المنطقة.


ورغم أن مسرح الحرب قد يبدو محدود المشاركين، إلا أن امتداداته الفعلية أوسع بكثير. فالتأثير طويل الأمد لهذه الحرب لا ينفصل عن محاولة فرض حالة من “الفوضى الخلاقة” في الوطن العربي، بما يفضي إلى إضعاف دوره الإقليمي والتنموي. ولا تناى الصين عن اهداف تلك الحرب، اذ يتم محاصرتها عبر منع توريد النفط اليها.


وفي هذا السياق، يبرز إدخال الدول العربية في أتون المعركة كهدف استراتيجي. كما أن الضربات الإيرانية، وفق ما تعلنه طهران عن استهداف قواعد أمريكية في دول عربية، قد تُفهم كخطأ استراتيجي، لما تحمله من استفزاز مباشر لتلك الدول. وإذا ما تطور هذا المسار، فإنه قد يفضي إلى تداعيات خطيرة على العالم العربي عموما، ومنطقة الخليج على وجه الخصوص.


ومع ذلك، لا يبدو أن العالم العربي معني بالانخراط في حرب لا تمثل أولوياته ولا تخدم مصالحه، رغم محاولات اللعب على التناقضات المذهبية بين السنة والشيعة. وفي الوقت ذاته، فإن الحفاظ على العلاقات الاستراتيجية مع الولايات المتحدة لا يعني بالضرورة الانجرار إلى صراع مفتوح قد يطال الجميع.


إن المنطقة العربية تقف اليوم أمام مشروع قد يعيد تشكيل ملامحها بالكامل. وهو ما يستدعي قدرا عاليا من الوعي للحفاظ على المقدرات الوطنية، وتجنب الانزلاق في مسارات تستنزف الدور العربي جيوسياسيا وتنمويا، في وقت تشتد فيه الحاجة إلى نهضة قائمة على العدالة الاجتماعية وترسيخ مبادئ الديمقراطية.


ولعل تجارب “الفوضى الخلاقة” التي شهدتها دول عربية، مثل السودان وليبيا والصومال وسوريا ولبنان، تقدم مؤشرا واضحا على كلفة هذا المسار. واليوم، تتزايد المؤشرات على أن المنطقة قد تُدفع مجددا لتكون جزءا من صراع إقليمي مفتوح، بما يكرس حالة عدم الاستقرار في العالم العربي، مقابل تعزيز حالة الاستقرار النسبي في إسرائيل.


وفي ظل هذا التباين، تبدو إسرائيل مرشحة لتكون مركز الثقل الاقتصادي واستقطاب رؤوس الأموال والاستثمارات، والاستفادة من مسارات نقل النفط والغاز وتفعيل موانئها ، في حين يدفع العالم العربي ثمن الفوضى بتآكل ما تحقق من منجزات.


وفي ظل هذا المشهد المركب، لا تبدو المسألة مجرد صراع عابر بقدر ما هي محاولة لإعادة ترتيب موازين القوة في المنطقة على حساب استقرارها. وبينما يُدفع بالعالم العربي ليكون ساحة مفتوحة لهذا الصراع، تتشكل وقائع جديدة قد تُعيد تعريف دوره وحدوده في النظام الإقليمي، واشغاله بالنزاعات.


ولعل ما يعزز هذا الاتجاه، هو التحركات المتسارعة المرتبطة بممرات الطاقة وخطوط النقل البحري في المنطقة، سواء في الخليج أو البحر الأحمر، إلى جانب تزايد الحضور العسكري في هذه المسارات الحيوية. كما أن الحديث المتكرر عن تأمين سلاسل الإمداد العالمية، وربطها بالاستقرار الأمني الذي تفرضه موازين القوة، يعكس أن الصراع لم يعد محصورا في إطاره العسكري، بل بات مرتبطا مباشرة بالتحكم في مفاصل الاقتصاد العالمي ومساراته


إن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في تجنب الانخراط في هذه المواجهة، بل في القدرة على إدراك مآلاتها، والتعامل معها بوعي يحول دون تحويل المنطقة إلى فضاء دائم للفوضى. فحماية المصالح العربية لا تتحقق بردود الفعل، بل برؤية قادرة على استيعاب التحولات، ومنع استثمارها في تعميق الانقسام وإضعاف البنية الداخلية للدول.


وفي هذا السياق، يصبح استحضار المشروع العربي، كإطار جامع للتنمية والاستقرار، ضرورة تتجاوز الطرح النظري، لتغدو مدخلا لإعادة التوازن، وصون الأمن القومي، بعيدا عن الانجرار خلف صراعات تعيد إنتاج الأزمات أكثر مما تقدم حلولا لها.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يواجه الفلسطيني محو الهوية؟ : استراتيجية البقاء الفلسطيني.

النظام العالمي الجديد: رمال متحركة لا ثوابت فيها وعمادها المصالح

سفينة لا تنكسر: في وداع عام واستقبال وطن وشعب من الرماد يعود