تجاوز المحظور الاستراتيجي: قراءة في استهداف البرنامج النووي الإسرائيلي.

  تجاوز المحظور الاستراتيجي: قراءة في استهداف البرنامج النووي الإسرائيلي.


بقلم: مروان سلطان – فلسطين 🇵🇸

22 مارس 2026

———————————————————


نتنياهو صرح بالأمس بأن ليلة أمس كانت ليلة صعبة وحزينة، في تعبير يعكس حجم الصدمة التي تعرض لها الكيان الإسرائيلي نتيجة استهداف المشروع النووي الإسرائيلي. فمنذ تلك اللحظة، دخل الصراع بين إيران من جهة وإسرائيل من جهة أخرى مرحلة جديدة، انتقلت فيها الضربات المتبادلة من إطار إدارة الصراع إلى حافة صراع وجودي بكل ما تحمله الكلمة من معنى.


استهداف إيران للمجمع النووي الإسرائيلي برشقات صاروخية أصاب مراكز ومنشآت تخدم ذلك البرنامج، هذا الملف طالما أُحيط بالغموض والسرية واعتبر من “المحظورات الاستراتيجية” التي لا يُفصح عنها الكيان الاسرائيلي لا نفيا ولا تأكيدا. اذ ان هذا الغموض الاسرائيلي كان متعمدا، حيث شكل لعقود أحد أعمدة الردع الإسرائيلي، وبات اليوم مكشوفا أمام الرأي العام الإقليمي والدولي لا يمكن ان تقوم اسرائيل بانكاره او ابقاءه طي الغموض والكتمان، بما يعني الانتقال الفعلي من حرب ظل إلى كسر قواعد اشتباك راسخة.


لقد بنت إسرائيل جزءا أساسيا من عقيدتها الدفاعية على سياسة الغموض النووي، حيث لا تعلن امتلاكها للسلاح النووي ولا تنفيه، مستفيدة من هذا الالتباس في تعزيز ردعها دون تحمل تبعات قانونية أو سياسية مباشرة. إلا أن استهداف هذا البرنامج يضعها أمام معضلة مزدوجة: إما الاستمرار في الصمت بما يحمله من تآكل في صورة الردع، أو الانخراط في مستوى من الاعتراف غير المباشر الذي يفتح عليها أبواب المساءلة الدولية.


الضربة الإيرانية بهذا المعنى لا تندرج فقط ضمن رد عسكري تقليدي، بل تمثل خروجا عن النسق المعتاد في إدارة الصراع، عبر نقل المواجهة إلى مستوى البنى الاستراتيجية بعيدة المدى. وهو ما يشير إلى تحول في قواعد الاشتباك، حيث لم تعد هناك خطوط حمراء ثابتة، وأصبحت مراكز الثقل الاستراتيجي أهدافا محتملة.


غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هنا: لماذا الآن؟

يبدو أن توقيت الضربة لم يكن معزولا عن سياق أوسع من الضغوط العسكرية والسياسية، سواء تلك المرتبطة بالملف النووي الإيراني أو بتعثر مسارات التفاوض غير المباشر. وعليه، يمكن قراءة هذه الخطوة باعتبارها محاولة إيرانية لإعادة ضبط إيقاع الصراع، وفرض معادلة جديدة تقول إن أي استهداف لبرنامجها النووي لن يمر دون تهديد مقابل للبرنامج النووي الإسرائيلي.


وفي هذا السياق، تحمل الضربة رسالة تتجاوز إسرائيل ذاتها لتصل إلى الولايات المتحدة. فإيران، من خلال رفع سقف الاستهداف، تضع واشنطن أمام معادلة معقدة: إما الاستمرار في دعم إسرائيل مع ما قد يجره ذلك من انزلاق نحو مواجهة أوسع، أو محاولة احتواء التصعيد عبر إعادة فتح قنوات التفاوض بشروط مختلفة. وبذلك، تتحول الضربة من فعل عسكري إلى أداة ضغط سياسية ضمن مفاوضات غير مباشرة متعددة المستويات.


أما على مستوى الرد الإسرائيلي، فإن هامش المناورة يبدو ضيقا ومعقدا في آن واحد. فالرد يصبح شبه حتمي للحفاظ على صورة الردع، لكن طبيعته ستبقى محكومة بحسابات دقيقة: هل تتجه إسرائيل نحو رد مباشر داخل إيران، بما يحمله ذلك من مخاطر توسع إقليمي، أم تفضل الاستمرار في نمط الردود غير المباشرة عبر ساحات أخرى، أو أدوات أقل انكشافا كالهجمات السيبرانية والعمليات النوعية؟ في كلتا الحالتين، فإن أي قرار سيتخذ سيعكس إدراكا لحساسية المرحلة وخطورة الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة. 


لا شك أن استهداف البرنامج النووي الإسرائيلي يحمل رسالة واضحة مفادها أن إسرائيل ليست وحدها القادرة على ضرب العمق الاستراتيجي، وأن إيران تمتلك بدورها القدرة على تهديد هذا العمق وإيلامه. كما يعكس هذا التحول توظيفا للحرب كأداة تفاوض، تسعى من خلالها طهران إلى تحسين موقعها، وإظهار قدرتها على الصمود وتآكل الردع الإسرائيلي في آن واحد.


ورغم أن هذا التصعيد ما زال يجري ضمن حدود محسوبة نسبيا، تحاول الأطراف من خلالها تجنب الانفجار الشامل، إلا أنه يفتح الباب أمام مرحلة أكثر هشاشة، حيث يصبح التحكم بمسار التصعيد أكثر صعوبة. فحين تُستهدف الملفات الأكثر حساسية، لا يعود ممكنا إعادة الأمور بسهولة إلى ما كانت عليه.  إن ما جرى لا يمكن قراءته كضربة عابرة، بل كتحول في سقف الصراع ذاته؛ سقف كُسر، وقد لا يكون من السهل ترميمه أو إعادة ضبطه كما كان، وهذا ما لم تكن اسرائيل ترغب به او حتى يصل الى يوم يصيبها الارق من وضع الملف النووي امام المسالة الدولية، او حتى في اطار مفاوضات اقليمية، ولكنها كانت هي ذاتها محرك السوء، الذي اوصلها الى تلك الحالة.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الرئيس ابو مازن كال الصاع صاعين لنتنياهو في محاولة منعه زيارة سوريا ، والزيارة تمت وفق الوقت والاهداف المرسومة. بقلم مروان سلطان. فلسطين 🇵🇸

ليس تبريرا ولكن حزنا وكمدا على غزة واهلها كانت كلمات الرئيس عباس الى حماس بفلم الكاتب مروان سلطان. فلسطين 🇵🇸

كيف يواجه الفلسطيني محو الهوية؟ : استراتيجية البقاء الفلسطيني.